دخلت زوجتى من باب الشقة وهى تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة. ألقت بأكياس البصل والخيار والطماطم والكوسة على البلاط، وقذفت حقيبة مليئة بالتوم والفلفل الرومى والبتنجان وقرون الشطة الحمراء كيفما اتفق، فخرجت منها كرنبة مدورة متوسطة الحجم وراحت تتدحرج حتى وصلت إلى باب المطبخ. جلستْ على أقرب مقعد بجوار الباب وراحت تخلع حذاءها الرياضى فى غضب، وأنفاسها لا تزال تتردد فى صعوبة ومن غير انتظام. شدت الطرحة السوداء من فوق رأسها فى عنف، فانسدل شعرها الأسود الطويل الناعم على وجهها وكتفيها. هزت رأسها إلى الخلف فتطايرت الخصلات الكثيفة إلى الوراء وبان وجهها مثل قمر مكتمل، لكنه متعب قليلًا.
زوجتى أجمل امرأة فى العالم، حلوة بعينين واسعتين خضراوين تسكنان تحت حاجبين متوسطى الكثافة على شكل هلالين. عندما تزداد كثافتهما، تجلس أمام المرآة لتتحول إلى طبيبة جراحة متمرسة. وخلال عشر دقائق تكون قد أجرت عملية جراحية هندسية لإعادة الحاجبين إلى سابق جمالهما. أنفها بمفرده، أجمل أنف رأيته فى حياتى، عندما أنظر إليه فوق الشفتين، يزداد جمالًا وكبرياء. شفتاها ممتلئتان تخفيان وحشية غير عادية، عندما تضحك، تتوارى وحشيتهما لتفسح المجال لخطين رقيقين لامعين. وعندما تغضب، تنضم الشفتان فى صرامة استعدادًا لإطلاق الرصاص. ولما تأتى ساعات الرضا، تنفرج الشفتان عن همسات من سكر وسيول من عسل. جسدها ممتلئ ومتناسق، وكتفاها هشان مثل كتفى طفلة. صدرها كبير ممتلئ يثير الشبع ويملأ العين. لم تتغير كثيرًا حتى بعد أن أنجبت أربعة أبناء. كل ما حدث أن زاد وزنها قليلًا، وبرزت أردافها بعض الشىء من فوق وركيها المدملكين، بينما بقيت مؤخرتها بارزة ومستديرة ومشدودة، وظل بطنها مثل سهل ناعم تضيئه سرة أشهى من سرة البرتقالة.
لزوجتى صوت مميز مثل القيثارة، أو ما يشبه تغريد الطيور ساعة الصباح. كان دومًا مثار حسد من زميلاتها فى الجامعة، وخصوصًا من جانب زميلاتها اللاتى ارتدين الحجاب والنقاب فى أواسط تسعينيات القرن العشرين، إبان الصحوة الثانية، عندما استطاع شيوخ الفضائيات الأفاضل ذوو الوجوه النورانية، وزبيبات الصلاة الضخمة على جباههم المضية، إقناع الفتيات والنساء بارتداء النقاب، أو على الأقل ارتداء الحجاب للحفاظ على العفة ودحر الفتنة واتقاء عذاب النار. اكتفت زوجتى وقتها بارتداء إيشارب يخفى شعرها وجانبى وجهها. لكن ما لبثت أن خضعت وارتدت الحجاب. وعندما تزوجنا خلعت الحجاب وعادت لارتداء الإيشاربات والطُرَح السوداء والملونة. أثار ذلك غضبى، وتعاركنا أكثر من مرة. وراحت نساء العائلة يوجهن اللوم والانتقادات إليها. لكن الملعونة أصرت على قرارها، ولم تخضع بعد ذلك لنظرات أهل بلدتنا، المنسية على أطراف القاهرة، نساء ورجالًا، ولا حتى لنظرات رؤسائها فى الجمعية الزراعية التى التحقت للعمل بها فى بلدة منسية أخرى وراء حدود المدينة.
هدأت زوجتى قليلًا بعد أن شربت عدة جرعات من الماء. تناولت خيارة وراحت تقضمها فى غيظ وتلذذ. خلعت ملابسها وارتدت جلبابًا منزليًا خفيفًا يبرز صدرها ووركيها. لحظتها أدركتُ أنه حان وقت السؤال. جلستُ إلى جوارها فى هدوء، وسألتها عن جولتها فى السوق. فاليوم هو الخميس، موعد سوق البلدة. قالت فى نبرة ندم: «طول عمرى بحب أروح السوق يوم الأربعاء لكى لا أقابل أحدًا». سألتها: «قابلت مَنْ؟». ردت ضاحكة: «واحدة لا أعرفها». وراحت تضحك حتى أصابتنى العدوى فرحنا نكركر من الضحك. وراحت تحكى عن شيماء أم الوليد التى فاجأتها وهى منهمكة فى تقليب الخيار والشبت والبقدونس وقرون الفلفل الحامى على إحدى العربات فى السوق.
كان البائع، الذى يعرفها، يشكو لها من ضيق الحال، ومشاكل أولاده فى المدرسة. وهى تشكو له ارتفاع الأسعار وسوء الأحوال. وإذا بصوت من ورائها يقول مندهشًا: «نادية!». التفتت زوجتى إلى الوراء فإذا بامرأة منتقبة تقف أمامها مباشرة، وتقول: أنت نادية. عرفتُكِ من صوتك. ألا تعرفيننى؟». ارتبكت زوجتى قليلًا وقالت فى دهشة: «لا. لا أعرفكِ». ردت: «أنا شيماء أم الوليد، زميلتك فى كلية الزراعة. كنا مع بعض طوال أربع سنوات. وكنا نحضر المحاضرات والسكاشن معًا». راحت زوجتى تعصر ذهنها وتحاول أن تتذكر ولو حتى الاسم، لكنها فشلت تمامًا.
قالت شيماء أم الوليد: «أنا أتابع أخبارك، وفرحتُ جدًا عندما قرأت على فيسبوك أنكِ كتبت رواية، وفزت بجائزة». وأخرجت شيماء أم الوليد هاتفها المحمول وضغطت على أبلكيشن الصور لتظهر صورة زوجتى وبجوارها غلاف الرواية فى خبر منشور بأحد المواقع الإلكترونية. قالت فى فرح: «أخذتُ سكرين شوت، وكأننى كنت أشعر بأننى سأقابلك.. ألف ألف مبروك». شكرتها زوجتى وهى تواصل عصر ذهنها لتتذكر ولو حتى أى مناسبة أو حادثة أو كارثة تشير إلى أن شيماء أم الوليد كانت تزاملها فى الجامعة، ولما فشلت تمامًا، التفتت إلى بائع الخضار وطلبت منه أن يضع ما اشترته فى أكياس، وأعطته ما طلب من نقود، وهى مغتاظة ومرتبكة، لأنها لم تتمكن من مساومته على الأسعار.
ضحكت زوجتى وقالت: «كنت عارفة إنه انتهز فرصة انشغالى معها، ورفع سعر الفلفل الحامى. الراجل الواطى اللى عامل نفسه صاحبى وقاعد يشتكى لى من الفقر». لم تتحرك شيماء أم الوليد من مكانها، ظلت واقفة تنتظر انتهاء زوجتى من الشراء، وواصلت كلامها: «أنا فرحانة أن صاحبتى كاتبة، حصلت على جائزة، لكن أتمنى من الله أن تكون روايتك هادفة ليتعلم منها الصغار والكبار، أنت فخر البلدة والبلاد كلها، متعلمة ومثقفة وعارفة إن ربنا ميرضاش بالكلام الأبيح وقلة الأدب، هجيب الرواية وأقرأها، وجزاكِ الله كل خير». ثم باغتتها بالسؤال: «هو أنتِ لسه معرفتنيش؟»، ردت زوجتى: «لا. أنتِ عايزة حاجة تانى؟»، وتركتها وانصرفت.
سألتُ زوجتى عاتبًا فى دهشة: «هل قلتِ لها فعلًا: عاوزة حاجة تانى؟»، ردت فى هدوء وهى تبادلنى الدهشة: «أيوه»، انقلبت دهشتى إلى ضحكات عالية، وسألتها: «محستيش إنك قليلة الذوق؟»، ردت فى جدية: «لا. إطلاقًا، هى اللى بنت وسخة». ثم باغتتنى: «هو صوتى مميز للدرجة دى؟». قلتُ لها إن صوتها أجمل صوت فى الكون، يشبه صوت القيثارة وتغريد العصافير. تنفَّسَتْ فى رضاء وكبرياء، وقالت: «المحشى هيبقى طعمة زى العسل النهارده». سألتها مبتسمًا: «ولكن لماذا كنتِ حادة بهذا الشكل معها؟». تغيَّرت ملامحها قليلًا، وقالت إنها لا تعرفها فعلًا، ولم تستطع أن تتذكرها إطلاقًا، وإنها ارتبكت لأنها لم تكن تعرف مع من تتحدث، كانت هذه الشيماء أم الوليد مختبئة تمامًا خلف النقاب الذى لا يَظهر منه سوى عينيها الواسعتين المكحلتين بطريقة غريبة. فسألتُها: «هل هذا ما جعلكِ ترتبكين؟». ردت فى جدية بأنها فى لحظة معينة شعرت بأن نبرتها غريبة، قوية وطاغية ويقينية، وكأنها تريد أن تقنعها بشىء ما، وفى الوقت نفسه مختبئة وراء ملابسها، خلف حاجز يجعلهما غير متساويتين.
ضحكتُ وقلتُ لها: «بعيدًا عن الفلسفة والتنظير. هل هذا ما أزعجكِ منها؟». قالت مبتسمة فى تردد: «لا أدرى. أنا لستُ ضد ملابسها، ولا علاقة لى بما ترتدى، ربما تكون لديها ظروفها الخاصة، وربما تستعين بهذه الملابس لسهولة ارتدائها فوق أى ملابس أخرى. هذا أمر يخصها. لكن من الصعب أن يقتحمك شخص ليتعرف عليك أو يذكرك بنفسه وهو مختبئ وراء حاجز. كيف يمكن أن أتذكرها وأنا لا أرى منها سوى عينين متفحصتين، ولا أسمع منها إلا صوتًا يتمنى من الله أن تكون روايتى خالية من قلة الأدب؟». قلتُ لها: «ولكن لماذا لم تطلبى منها أن تكشف عن وجهها، ربما استطعتِ أن تتذكرينها؟». ردت فى هدوء: «طلبى هذا قد يشبه طلبها فى حال لو قالت لى إننى يجب أن أرتدى النقاب أو الحجاب». فسألتها مباشرة: «وهل هى طلبت منك ذلك فعلًا؟». فصمتت ولم ترد.














0 تعليق