ترامب في بكين.. هل يضغط على زر «ضبط المصنع» مع الصين؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتجه أنظار العالم نحو بكين، حيث يترقب الجميع زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، في قمة تبدو أبعد من مجرد لقاء سياسي عابر، وأقرب إلى محاولة لإدارة واحدة من أخطر العلاقات الدولية في العالم.

 

بين الحرب التجارية، والتوتر حول تايوان، والملفات المشتعلة في الشرق الأوسط، تبدو واشنطن وبكين أمام اختبار سياسي جديد قد يحدد شكل التوازنات الدولية خلال السنوات المقبلة.

وتأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتشابك الأزمات الدولية من مضيق هرمز إلى الحرب الأوكرانية، مرورًا بالصراع الاقتصادي والتكنولوجي بين أكبر اقتصادين في العالم.

 

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يسعى ترامب إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الأمريكية تجاه الصين، بينما تعمل بكين على تعزيز موقعها كقوة دولية مؤثرة في ملفات إيران وروسيا والاستقرار العالمي، ما يجعل القمة المرتقبة محطة مفصلية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية التقليدية.

 

هذا التوتر لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لسنوات من التصعيد السياسي والاقتصادي بين البلدين.

منذ ولايته الأولى، تعامل ترامب مع الصين باعتبارها "المنافس الأخطر" للولايات المتحدة، وتبني سياسة تقوم على الضغط الاقتصادي وفرض الرسوم الجمركية، انطلاقًا من قناعته بأن بكين استفادت لعقود من الانفتاح التجاري الأمريكي دون تقديم تنازلات مقابلة.

 

وقد ترجمت هذه الرؤية إلى سلسلة من الإجراءات التصعيدية، شملت رفع التعريفات الجمركية، وتشديد القيود على التكنولوجيا الصينية، ومحاولة الحد من النفوذ الاقتصادي لبكين عالميًا.

ومع ذلك، ورغم حدة التنافس، لم تصل العلاقة بين الطرفين إلى مرحلة القطيعة الكاملة، بل ظلت تتحرك بين التصعيد والتعاون التكتيكي، لأن كلتا القوتين تدركان أن أي صدام مباشر ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي، وهو ما يفسر استمرار قنوات الحوار السياسي والدبلوماسي حتى في أكثر الفترات توترًا.

ومن هنا، تبدو الزيارة المرتقبة محاولة لإدارة هذا التوازن

الحساس بين المنافسة والتفاهم، خاصة أن جدول الأعمال لن يقتصر على الملفات الاقتصادية، بل سيمتد إلى قضايا استراتيجية معقدة تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية.

 

وفي مقدمة هذه الملفات، تأتي قضية تايوان، التي تمثل بالنسبة لبكين "الخط الأحمر" الأكثر حساسية.الصين تعتبر الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وترفض أي دعم أمريكي يعزز استقلالها السياسي أو العسكري.

وفي المقابل، تواصل واشنطن تقديم الدعم الدفاعي لتايوان، ما يجعل هذا الملف أحد أخطر نقاط الاحتكاك بين الجانبين.

ولهذا، من المتوقع أن تحاول الصين خلال الزيارة الحصول على ضمانات أمريكية تحد من التصعيد، خصوصًا مع تنامي الوجود العسكري الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهي منطقة أصبحت تمثل مركز التنافس الاستراتيجي بين القوتين.

 

لكن التوتر لا يقتصر على شرق آسيا فقط، بل يمتد ايضًا إلى الشرق الأوسط، حيث تتزامن الزيارة مع تصاعد التوتر المرتبط بإيران، وهو ما يمنح بكين دورًا متزايدًا في أي ترتيبات إقليمية مقبلة. وفي هذا الإطار، رفضت الصين اتهامات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن تقديم دعم عسكري لإيران، مؤكدة التزامها بمبادئ السلام والاستقرار الدولي، وهو موقف يعكس حرص بكين على الظهور كطرف داعم للتهدئة وليس لتوسيع دائرة الصراع


وقد عكست تصريحات الخارجية الصينية الأخيرة توجهًا واضحًا نحو دعم الوساطات السياسية، بعدما دعا وزير الخارجية الصيني باكستان إلى تكثيف جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكدًا استمرار دعم بكين لأي مساع تخفف احتمالات المواجهة.

وفي هذا السياق، تسعى الصين إلى ترسيخ حضورها كقوة توازن دولية في الشرق الأوسط، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع إيران ودول الخليج في آن واحد، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية مقارنة بواشنطن، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

 

وبالتوازي مع ذلك، سيكون ملف روسيا حاضرًا بقوة على طاولة المباحثات، لا سيما مع الاتهامات الغربية لبكين بتقديم دعم اقتصادي وتقني غير مباشر لموسكو في حربها ضد أوكرانيا.

ومن المرجح أن تضغط واشنطن على الصين لتقليص هذا الدعم، بينما ستسعى بكين للحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع موسكو دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الغرب.

أما على المستوى الاقتصادي، فلا تزال الحرب التجارية تمثل أحد أبرز عناوين الخلاف بين البلدين.

قد أعاد ترامب خلال ولايته الثانية سياسة الرسوم الجمركية، ورفعها في بعض المراحل إلى مستويات قياسية، في محاولة للضغط على الاقتصاد الصيني وتقليص العجز التجاري الأمريكي.

غير أن هذه السياسات لم تحقق نتائج حاسمة، بل أدت إلى ردود صينية مماثلة، وأثارت مخاوف عالمية من تباطؤ اقتصادي واضطراب سلاسل التوريد الدولية.

ومع اتساع دائرة التنافس، لم تعد المواجهة مقتصرة على التجارة فقط، بل امتدت إلى ملف الأمن التكنولوجي، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والتكنولوجيا الحيوية ساحات صراع استراتيجية بين القوتين.

وبينما تخشى واشنطن من التفوق التكنولوجي الصيني، ترى بكين أن القيود الأمريكية ليست سوى محاولة لإبطاء صعودها العالمي.

 

ورغم أن التوتر الحالي يبدو في ذروته، فإن العلاقات بين واشنطن وبكين مرت تاريخيًا بمحطات مفصلية صنعت تحولات كبرى في السياسة الدولية. في عام 1972، قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بزيارته التاريخية إلى الصين، في أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين الشيوعية، وهي الخطوة التي فتحت الباب أمام إعادة العلاقات بين البلدين وغيّرت موازين الحرب الباردة.

ثم جاءت زيارة دنج شياو بينغ إلى الولايات المتحدة عام 1979 لتؤسس لمرحلة التطبيع والانفتاح الاقتصادي، قبل أن تتواصل زيارات الرؤساء الأمريكيين إلى بكين، من رونالد ريغان إلى بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما، وصولًا إلى ترامب، في إطار محاولات مستمرة لإدارة العلاقة الأكثر تعقيدًا وتأثيرًا في العالم.

وانطلاقًا من هذا التاريخ الطويل من التقارب والتوتر، تبدو القمة المرتقبة امتدادًا لمحاولات منع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.

رغم التباينات العميقة بين الطرفين، فإن مجرد انعقاد اللقاء يحمل دلالة سياسية مهمة، تعكس إدراك واشنطن وبكين أن الصدام المباشر ليس خيارًا واقعيًا، خاصة في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي وتصاعد الأزمات الأمنية.

ومع ذلك، من غير المتوقع أن تحدث  الزيارة اختراقًا جذريًا في الملفات الخلافية، بقدر ما قد تسهم في "إدارة التوتر" ومنع التصعيد، خصوصًا في ملفات تايوان، وإيران، والتجارة، والتكنولوجيا.

 

وفي النهاية، تبدو زيارة ترامب إلى بكين محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين أكبر قوتين في العالم، في وقت أصبح فيه الاستقرار الدولي مرتبطًا إلى حد كبير بقدرة واشنطن وبكين على إبقاء المنافسة تحت سقف السيطرة السياسية والدبلوماسية، بدلًا من الانزلاق إلى صراع مفتوح قد يدفع العالم بأسره نحو مرحلة أكثر اضطرابًا وتعقيدًا

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق