الضغط على نقاط الضعف

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كتاب «اغتصاب العقل- سيكولوجية السيطرة على التفكير وإبادة العقل وغسيل الدماغ»، الذى صدر مؤخرًا بترجمة عمر فايد ومراجعة الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم، كتاب فى غاية الأهمية، يشرح مؤلفه الدكتور جوست ميرلو آليات مسح الدماغ، الكتاب صدر سنة ١٩٥٦، ومع هذا تشعر بأنه كتب هذه الأيام.

يحاول الكتاب وصف عملية التحول الغريبة لعقل الإنسان الحر ليصبح آلة تستجيب بشكل آلى، وهو التحول الذى يمكن أن يحدث من خلال بعض التيارات الثقافية الخفية فى مجتمعنا المعاصر، فضلًا عن التجارب المدروسة التى تخدم أيديولوجيا سياسية معينة.

«ميرلو» يعتقد أن اغتصاب العقول والقهر العقلى الخفى من بين أقدم الجرائم فى تاريخ الإنسانية، وربما ترجع بدايتهما إلى عصور ما قبل التاريخ، حينما اكتشف الإنسان للمرة الأولى قدرته على استغلال سمات إنسانية، مثل التعاطف والتفاهم؛ من أجل فرض قوته على رفاقه من البشر.

الكتاب يناقش الأخطار التى تهدد التفاعل الثقافى الحر، فى الفصل الخامس، الذى حمل اسم الحرب الباردة على العقل، يقول إنه يتنامى باستمرار فى بلدنا بأن الحملة الدعائية المطولة، سواء لفكرة سياسية أو لديب فريزر، يمكنها أن تنجح فى بيع أى فكرة أو أى شىء تريد بيعه للعامة، وأى رمز سياسى يريد المرء أن ينتخبه، ومؤخرًا، أدار تخطيط بعض الحملات الانتخابية من يطلق عليهم مهندسو الرأى العام، الذين استخدموا كل وسائل التواصل الحديثة مع الجماهير، والمعرفة المعاصرة بعقل الإنسان لإقناع الأمريكان بالتصويت للمرشح الذى يدفع رواتب رجال العلاقات العامة. 

إن خطورة هذه الإعلانات المكثفة تكمن فى أن الشخص أو الحزب الذى يمكنه أن يدفع أكثر، يمكنه أن يصبح الشخص الذى يمكنه السيطرة على الناس لشراء السلع أو للتصويت للشخص الذى يبحث عن مصلحته الشخصية، وهذا الكلام الذى قيل منذ سبعين عامًا ينطبق على الرئيس الأمريكى السمسار المتغطرس الحالى، يحاول المتخصصون فى فن الإقناع وصياغة المشاعر العامة أن يعجنوا العجين العقلى للإنسان بكل أدوات التواصل.

يستشهد المؤلف بمواطنه الكاتب الهولندى مولتاتونى الذى اعتذر إلى صديق؛ لأن الخطاب الذى يكتبه له طويل للغاية، ذلك لأنه لم يكن لديه الوقت الكافى لكتابة خطاب أقصر، فى تلك المفارقة عبر عن جزء من مشكلة الجميع فى البحث عن التعبير والتواصل، يتطلب الأمر وقتًا طويلًا للتعبير عن فكرة تعبيرًا دقيقًا يمكن فهمها، إلا أن الإيجاز والبساطة فى الأوصاف التى يستخدمها المرء لا تحظى غالبًا بالتقدير والاهتمام.

مؤلف الكتاب طبيب نفسى هولندى وأكاديمى عاش تجربة الاحتلال النازى لبلاده خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن يهاجر فيما بعد إلى الولايات المتحدة، اكتسب «ميرلو» خبرته العميقة فى موضوع غسل الدماغ من خلال مراقبته أساليب الأنظمة الشمولية التى مارست التلاعب النفسى الجماعى.

ومن متابعته لبرامج غسل الدماغ، التى لجأت إليها القوى الكبرى آنذاك كجزء من صراعها السياسى والأيديولوجى، شرح «ميرلو» كيف يمكن للسلطة السياسية أن تمارس السيطرة على وعى الأفراد والمجتمعات، مستخدمة فى ذلك أساليب منظمة تقوم على زرع الخوف، وتفكيك الدفاعات النفسية، وتكرار الخطاب الدعائى، وتحويل الفرد إلى أداة طيعة فى يد من يملك السلطة.

يصف «ميرلو» آلية «اغتصاب العقل» بأنها عملية معقدة تهدف إلى قتل قدرة الإنسان على التفكير الحر، وتحويله إلى كائن مبرمج على الطاعة والولاء، وتتم هذه العملية عبر: إثارة الخوف والقلق المستمر فى النفس الفردية والجماعية، حجب مصادر المعرفة المتنوعة وحصرها فى قنوات محددة، تكرار الرسائل الفكرية بشكل منهجى حتى تترسخ كحقائق غير قابلة للنقاش، إعادة تشكيل هوية الإنسان الفكرية والاجتماعية والدينية بما يخدم السلطة أو الجماعة المسيطرة.

«ميرلو» الذى ألف ٤٣ كتابًا وأكثر من ألف مقالة، يعتبر مرجعًا عالميًا فى الحرب النفسية، وحققت اهتماماته الواسعة أثرًا كبيرًا فى كتابات عن سيكولوجيا إدمان المخدرات، والارتباطات بين مرض السرطان والأمراض الانفعالية وظواهر الزمن، وفى كتابه الذى بين أيدينا يرى أنه من خلال الضغط على نقاط ضعف معينة فى التكوين الإنسانى، يمكن للنظم الشمولية تحويل أى شخص إلى «خائن».

الكتاب الذى يقع فى ٢٦٨ صفحة من القطع الكبير يصعب اختزاله فى مقال بسهولة، وكل فصل منه يحتاج إلى وقفة، يقول فى نهاية الفصل الأول «ينبغى على الرجال الأحرار فى المجتمعات الحرة ألا يتعلموا فقط هذا الهجوم الخفى على سلامة العقل ومكافحته، ولكن عليهم أيضًا أن يعرفوا ما يوجد داخل عقل الإنسان ويجعله عرضة للهجوم».

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق