الجمعة 08/مايو/2026 - 10:27 م 5/8/2026 10:27:21 PM
ربما كانت الصدفة البحتة هي التي قدمت، خلال الأيام الماضية، نموذجًا عمليًا - حيًا يشرح بوضوح شديد - الدافع الحقيقي وراء هذا الطرح المنادي بضرورة إعادة النظر في قانون الأزهر الشريف رقم 103 لسنة 1961م، لا بوصفه قانونًا فقد قيمته التاريخية، وإنما باعتباره إطارًا تشريعيًا لم يعد قادرًا وحده على مواكبة التعقيدات التي وصل إليها الواقع العلمي والديني والفكري في مصر والعالم.
فالمذكرة التوضيحية لهذا القانون، عند صدوره، تحدثت بوضوح عن هدف محوري أراده المشرّع للأزهر الشريف، يتمثل في إعداد عالم ديني يجمع بين علوم الشريعة وعلوم العصر، ويساهم في النهضة العلمية والإنتاج والمعرفة، بدلًا من أن يبقى معزولًا عن حركة التطور الإنساني الحديثة، بل إن المذكرة نفسها انتقدت صراحةً النموذج الذي يُنتج رجل دين لا يملك أدوات العصر، كما انتقدت في المقابل خريجي الجامعات المدنية الذين يملكون الخبرة العلمية دون الإحاطة الكافية بالعلوم الدينية، معتبرة أن النهضة الحقيقية لا تقوم إلا على الجمع بين الجانبين.
ومن هنا جاءت الصدمة التي أثارتها خلال الأيام الماضية حالة الجدل الواسعة، التي عكست حجم الفجوة بين ما تطلبته نية المشرع من مواكبة حركة التطور الإنساني الحديثة في مؤسسات الأزهر، وبين الواقع الفعلي، وتلك الصدمة صاحبت الحديث عن استعداد جامعة الأزهر لافتتاح “مركز جامعة الأزهر الشريف للطب النبوي”، وهي القضية التي تحولت سريعًا إلى زوبعة ممتدة على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الأوساط العلمية والطبية والفكرية، وفتحت بابًا واسعًا من التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الدين والعلم، وحول الاتجاه الذي تتحرك إليه بعض مؤسساتنا الأكاديمية والدينية.
ولعل ما زاد من حدة الجدل أن التوقيت الفعلي والسياسي والمجتمعي والمنطقي للإعلان عن نية افتتاح “مركز جامعة الأزهر للطب النبوي” بدا غير مناسب تمامًا، في لحظة كانت الدولة والمجتمع والأوساط العلمية والقانونية والنقابية تناقش فيها - بقلق بالغ - التداعيات الخطيرة لما عُرف إعلاميًا بقضية “نظام الطيبات”، وما أثارته من جدل واسع حول توظيف المفاهيم الدينية في المجال العلاجي والطبي خارج الأطر العلمية المعترف بها.
ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تتحرك لمواجهة ما اعتُبر خطرًا يهدد صحة المواطنين وحياة المرضى، إلى حد حجب المواقع والروابط التي أعادت الترويج لهذا النموذج، جاء الحديث عن “الطب النبوي” داخل مؤسسة أكاديمية كبرى بحجم جامعة الأزهر ليعيد فتح الباب أمام نفس الإشكالية الفكرية، حتى وإن اختلفت النوايا أو السياقات.
ذلك لأن جوهر الأزمة في الحالتين يرتبط بربط العلاج الطبي بمفهوم ديني مباشر، وهو الربط نفسه الذي استخدمه صاحب “نظام الطيبات” في مخاطبة الناس والتأثير عليهم، بما قد يخلق حالة من الخلط لدى الرأي العام بين الطب القائم على الدليل العلمي والتجربة والبحث، وبين التصورات الدينية أو التراثية المتعلقة بالتداوي.
ومن هنا لم يكن الاعتراض الأساسي متعلقًا فقط باسم المركز، وإنما بالخوف من الرسالة الفكرية التي قد تُفهم مجتمعيًا من وراء هذا الطرح، خاصة في توقيت شديد الحساسية تسعى فيه الدولة إلى ترسيخ الانضباط العلمي، وحماية المواطنين من أي ممارسات علاجية غير خاضعة للمعايير الطبية الحديثة.
وفور تداول الأخبار المتعلقة بالمركز، انطلقت موجة من الاعتراضات الحادة، ليس فقط من مثقفين أو إعلاميين، بل من أساتذة جامعات وأطباء ومتخصصين، اعتبروا أن الخطوة تمثل تراجعًا عن المفهوم العلمي الحديث للطب، وتثير إشكاليات تتعلق بصورة المؤسسة الدينية والعلمية في مصر.
ووفق ما نشره موقع (القاهرة 24) بتاريخ 3 مايو 2026م، كتب الدكتور ثروت يوسف الغلبان، أستاذ ورئيس قسم دراسات المعلومات بكلية الآداب جامعة طنطا، عبر حسابه على “فيسبوك”، أن افتتاح مركز جامعة الأزهر للطب النبوي بكل وضوح يَعني مُخالفة لأبسَط قواعد المعرفة العِلمية، ونشر للجهل، وإساءة بالغة لسُمعة مصر العِلمية، لقد مات ابن النبي وأقاربه بين يديه ولم يُعالِجهم، كما أن شيخ الأزهر وكبار رجال الدين الإسلامي يُعالَجون في ألمانيا وليس بالطب النبوي.
كما كتب الدكتور علي عبد الراضي، استشاري الصحة النفسية، مناشدًا الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب التدخل لإيقاف هذه الخطوة، معتبرًا أن ما يسمى بالطب النبوي لا يستند إلى المنهج العلمي التجريبي الذي تقوم عليه كليات الطب الحديثة، ومعلوم للجميع أن ذلك قد يفتخ باب العلاج بالأعشاب والعلاج الروحاني، ولا وجود لهذه الأقسام في كليات الطب والصيدلة التي تقوم على التجارب والمعامل.
أما الكاتب الدكتور خالد منتصر، فذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن “الطب لا يُنسب إلى دين”، مؤكدًا أن الطب الحقيقي هو الطب القائم على الدليل العلمي، ذاكرا أنه لا يوجد طب يسوعي ولا بوذي ولا هندوسي ولا طب موسوي أو حاخامي أو شنتوي أو بهائي أو إلحادي، بل اسمه الطب الذي تم ممارسته في عصر النبي، وليس الطب النبوي، وممارسات تلك الأيام عُولج بها النبي، وعُولج بها أبو لهب أيضًا، والنبي قال أنتم أعلم بأمور دنياكم، ولم يصف نفسه بالطبيب.
ذَكرني هذا أيضا بمناسبة أخرى في مقترح نص قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين، والذى أعلن الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف في عام 2017م، تَقدم المشيخة به لرئاسة الجمهورية، والذي تضمن نصوصًا شديدة الدلالة على طبيعة الأزمة الفكرية التي كان الأزهر نفسه يدرك خطورتها، فقد نصت المادة السادسة من المشروع على أنه: (لا يجوز طرح المسائل العقائدية محل الخلاف أو التعارض للنقاش العلني فى وسائل الإعلام على نحو يدفع المؤمنين بها للتصادم أو العنف)، وفي مادته السادسة عشر ما نصه: (مع عدم الإخلال بالمسؤولية الجنائية إذا ارتكب موظف عام أيا من الأفعال المحظورة الواردة بهذا القانون، يجب على السلطة المختصة وقفه عن العمل للمصلحة العامة لمدة 3 أشهر أو لحين الفصل فى مسؤوليته التأديبية).
غير أن المفارقة اللافتة أن هذا المشروع الذي لم يرَ النور، لم تُفعّل روحه نفسها داخل المؤسسة التي تقدمت به، فلم نشهد، على مدار سنوات، تطبيقًا حاسمًا تجاه بعض المنتسبين إلى المؤسسة أو بعض أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر، ممن ملأوا الفضائيات ومنصات الإعلام بفتاوى وآراء شاذة أو مثيرة للجدل، وطرحوا مسائل عقدية وخلافية للرأي العام بصورة أحدثت حالة من الاضطراب الفكري والاستقطاب المجتمعي، دون وجود إطار مؤسسي واضح يضبط هذا المشهد أو يحدد مسؤولياته.
ويكفي التأمل في مشروع قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين، ثم النظر إلى الجدل الذي أثاره مشروع “مركز الطب النبوي”، لإدراك حقيقة أكثر عمقًا، أن الأزهر، في ظل بنيته القانونية الحالية، لم يعد قادرًا بالقدر الكافي على ضبط العلاقة بين الخطاب الديني والعلمي والإعلامي، ولا على بناء منظومة مؤسسية حديثة تمنع التضارب، أو تحاصر الفوضى، أو تحسم التناقض بين ما يُطرح نظريًا وما يُمارس عمليًا على أرض الواقع.
وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه الآراء، فإن خطورة ما حدث لا تكمن فقط في الجدل نفسه، بل في كونه أعاد طرح سؤال شديد الحساسية، هل ما زالت فلسفة قانون الأزهر الحالي، التي أرادت الجمع بين علوم الدين وعلوم العصر، حاضرة بالفعل في التطبيق المؤسسي؟ أم أننا بدأنا نعود تدريجيًا إلى مسارات تُنتج صدامًا جديدًا بين الخطاب الديني والمعرفة العلمية الحديثة؟
إن ما جرى يدق ناقوس خطر حقيقي، ليس لأنه يتعلق بمركز أو مسمى بعينه، بل لأنه يكشف حجم الفجوة التي قد تنشأ حين تغيب الرؤية القانونية والتنظيمية الحديثة القادرة على ضبط العلاقة بين التخصصات الدينية والعلمية داخل مؤسسة بحجم الأزهر الشريف، بل إن البعض رأى في هذه الحالة نموذجًا يعكس - ولو بصورة غير مباشرة - ابتعادًا عن الأسباب الجوهرية التي صدر من أجلها قانون الأزهر نفسه عام 1961م.
ومن هنا، يصبح من المشروع إعادة فتح النقاش حول القانون القائم، لا بهدف الهدم أو الصدام، وإنما بحثًا عن إطار أكثر قدرة على استيعاب تحديات العصر، وأكثر وضوحًا في تحديد طبيعة الأدوار والاختصاصات والمعايير العلمية والإدارية داخل المؤسسة.
وليس من العدل أن تُقرأ القوانين بمعزل عن لحظتها التاريخية، كما أنه ليس من الدقة أن تُعامل النصوص بوصفها كائنات ثابتة خارج الزمن، فالقانون في جوهره محاولة بشرية لتنظيم واقع متحرك، فإذا تغيّر الواقع وبقي النص على حاله، بدأت الفجوة في الاتساع حتى يصبح القانون نفسه جزءًا من المشكلة لا أداة لحلها، وهذه الحقيقة تبدو بوضوح شديد حين نقترب من قانون الأزهر رقم 103 لسنة 1961م، الذي وُضع في سياق تاريخي مختلف، ثم وجد نفسه اليوم أمام مؤسسة تغيرت جذريًا في حجمها ودورها وامتدادها.
ولعل من الإنصاف القول إن ما يُطرح هنا ليس إلا قراءة شاملة للقانون الحالي، وطرحًا لأمثلة كاشفة على ثغراته، تُظهر كيف أن بعض نصوصه لم تعد قادرة على مواكبة التحولات التي شهدها الأزهر، سواء داخليًا أو على مستوى دوره الإقليمي والدولي، والأهم من ذلك أن الأزمة الحقيقية التي يواجهها الأزهر اليوم لا تختزلها الأسماء أو القيادات أو الأشخاص وليسوا مسئولين عنها بدورهم داخل هذا القانون، بقدر ما ترتبط بطبيعة قِدم الإطار القانوني نفسه الذي تتحرك المؤسسة داخله، فحتى أكثر القيادات كفاءة وخبرة ستظل محدودة الحركة إذا كانت تعمل في إطار تشريعي قديم، ترك مساحات واسعة من الغموض، وثغرات تنظيمية، وبنية إدارية لم تعد متوافقة مع طبيعة العصر وتعقيداته.
وربما لو كان الأزهر يعمل اليوم في ظل قانون حديث، يقوم على الحوكمة المؤسسية، والتوصيف الدقيق للاختصاصات، وتوزيع المسؤوليات، وبناء أجهزة فنية ورقابية واستشارية قوية، وتحديد معايير واضحة للكفاءة والتقييم والمتابعة، مع تنظيم دقيق للعلاقة بين المؤسسة والدولة، وبين استقلال الأزهر ودوره الوطني، لكان الأداء مختلفًا بدرجة كبيرة، ولكانت المؤسسة أكثر قدرة على مواكبة التحولات الفكرية والعلمية والإعلامية المتسارعة.
فالأزهر الآن ليس مجرد مؤسسة دينية محلية، بل أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية في العالم الإسلامي، وصوت يحظى باحترام بالغ في عشرات الدول العربية والإسلامية والإفريقية والآسيوية، وتكفي الإشارة إلى حجم الحضور الدولي للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، واستقبال مشيخة الأزهر المستمر لرؤساء الدول والحكومات والوفود الدبلوماسية، وحجم التأثير الذي تمارسه المؤسسة في ملفات الحوار الديني ومواجهة التطرف والتقارب بين الشعوب.
ولو أُعيد بناء هذه المؤسسة بقانون أكثر حداثة ووضوحًا ومرونة، لكان الأزهر قادرًا على لعب أدوار أكبر بكثير في معالجة أزمات العالم الإسلامي، وتقريب وجهات النظر، ومواجهة الفوضى الفكرية، والتأثير في المجتمعات العربية والإسلامية التي لا تزال تنظر إليه باعتباره المرجعية السنية الأكبر والأكثر اعتدالًا واحترامًا.
بل إن كثيرًا من القضايا التي تعاني منها المنطقة اليوم، من التطرف، والانقسام المذهبي، وضعف الخطاب الديني، وفوضى الفتاوى، وتراجع الهوية الثقافية، يمكن للأزهر أن يكون جزءًا من حلها الحقيقي، إذا امتلك الأدوات القانونية والإدارية الحديثة التي تسمح له بالحركة المؤسسية الفعالة، بدلًا من بقائه محكومًا بإطار تشريعي وُضع لعالم آخر، ومرحلة مختلفة تمامًا عن واقعنا الحالي.
وفي نقاشنا لنماذج محدودة من مواد القانون الحالي والتي أدخلته في مرحلة أشبه باقتراب الموت الإكلينيكي، حيث يظل الكيان حيا لكن أثره مُقيد، يمكن أن أشير لبعض ثغرات القانون على سبيل المثال لا الحصر على النحو التالي:
وإذا بدأنا بالمادة الثانية من الأحكام العامة:
نجد أنها تحمل في مضمونها - مدعومة بما ورد في المذكرة الإيضاحية - تصورًا طموحًا للغاية لدور الأزهر وعلمائه، يقوم على إعداد عالم ديني يجمع بين علوم الشريعة وعلوم العصر، ويكون قادرًا على الإسهام في نهضة المجتمع والأمة، لا مجرد ناقل للمعرفة الدينية بمعزل عن الواقع، وهذه المادة في جوهرها تمثل “الفلسفة العليا” للقانون، بل يمكن القول إنها كانت التعبير الأكثر وضوحًا عن مشروعه الفكري.
لكن الإشكال أن هذه الفلسفة لم تنعكس بالقدر الكافي على البناء التشريعي والتنفيذي اللاحق داخل القانون، وكأن هناك انفصالًا بين الرؤية العامة والآليات المنظمة لها، وهو ما يستفسر عن دور القانون الحالي ومدى نجاحه فعليًا في تحويل هذا التصور إلى واقع مؤسسي مستقر؟
ثم تأتي المادتين الرابعة والخامسة:
وبينهما تناقض شديد، فالمادة الرابعة تنص على أن شيخ الازهر هو الامام الاكبر وصاحب الرأي فى كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الاسلام، وله الرياسة والتوجيه فى كل ما يتصل بالدراسات الاسلامية في الأزهر وهيئاته، ويرأس المجلس الأعلى للأزهر.
وهي مادة تمنح شيخ الأزهر مكانة المرجع الأعلى في كل ما يتعلق بالشؤون الدينية والمتصلين بها، وهي مكانة شديدة الخطورة من حيث التأثير العلمي والديني داخل مصر وخارجها.
غير أن المادة الخامسة التي تحدد شروط شغل منصب الإمام الأكبر شيخ الأزهر، نصت أن يكون من خريجي إحدى الكليات الأزهرية المتخصصة فى علوم أصول الدين والشريعة والدعوة الإسلامية واللغة العربية، وأن يكون قد تدرج فى تعليمه قبل الجامعى بالمعاهد الدينية الأزهرية!
وهو توصيف غير دقيق للإمكانات العلمية أو المعايير البحثية التي تؤهل لهذا الموقع الاستثنائي، وهنا تبرز واحدة من أكثر الإشكاليات القانونية والفكرية حساسية داخل القانون الحالي والتي تخلق التناقض، وهي المتعلقة بشروط من يتولى منصب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، فكيف يكون شيخ الأزهر- بحكم القانون - هو المرجع الأعلى في الشؤون الإسلامية والعلوم الدينية، وصاحب الرأي النهائي الذي يُرجع إليه، دون أن يشترط القانون حصوله على أعلى الدرجات العلمية والبحثية المتعارف عليها أكاديميًا في عصرنا الحديث؟ وكيف يُترك هذا المنصب العالمي، الذي يخاطب العالم كله باسم الإسلام الوسطي، دون اشتراط حد أدنى واضح من الإنتاج العلمي أو الدراسات العليا أو الإسهام البحثي الذي يرسخ هذه المرجعية علميًا ومؤسسيًا؟
فقد شهد الأزهر، في ظل هذا القانون، تولي شيوخ كبار لم يكونوا حاصلين على الدكتوراه الأكاديمية أو ما يعادلها بالمفهوم الحديث، ولا ينتقص هذا الطرح مطلقًا من قيمة هؤلاء الشيوخ العظام الكبار الذين تولوا مشيخة الأزهر في ظل هذا القانون، فجميعهم كانوا قممًا في الفقه والقضاء والعلم والحكمة والتأثير، وتركوا بصمات وطنية ودينية خالدة، لكن الإشكال هنا يتعلق بالنص القانوني نفسه، لا بالأشخاص.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فالشيخ الشيخ حسن مأمون الذي تولى مشيخة الأزهر من عام 1964 وحتى عام 1969م، تولى مناصب قضائية ودينية رفيعة وكان من كبار علماء عصره، لم يكن حاصلًا على الدكتوراه الأكاديمية، وكان قد عُين موظفًا قضائيًا بمحكمة الزقازيق الشرعية في 4 أكتوبر سنة 1919م، وفي أول يوليو سنة 1920 م نقل إلى محكمة القاهرة الشرعية، وطل يترقى في القضاء الشرعي حتى صدر مرسوم ملكي بتعيينه قاضيًا لقضاة السودان في 3 من يناير سنة 1941م، وفي 16 فبراير سنة 1955م اقترح وزير العدل على مجلس الوزراء إسناد منصب المفتي إلى فضيلة الشيخ حسن مأمون، للانتفاع بعلمه الغزير وكفاءته الممتازة، فوافق مجلس الوزراء على تعيين فضيلته مفتيًا للديار المصرية اعتبارًا من أول مارس سنة 1955 حتى سنة 1964م، وقد تولى فضيلته مشيخة الأزهر بالقرار الجمهوري رقم 2444 لسنة 1964م.
والإمام الأكبر الراحل الشيخ جاد الحق علي جاد الحق الذي تولى مشيخة الأزهر من عام 1982م وحتى عام 1996م، وهو واحد من أعظم شيوخ الأزهر في تاريخه الحديث وأكثرهم تأثيرًا وهيبة، لم يحصل أيضا على الدكتوراه الأكاديمية المتعارف عليها أو أي دراسات عليا، وإنما حصل على أعلى درجات التعليم الأزهري في عصره، فقد عمل بعد التخرج في المحاكم الشرعية، ثم عُيِّن أمينًا للفتوى بدار الإفتاء المصرية، ثم عاد إلى المحاكم الشرعية قاضيًا في عام 1954م، ثم انتقل إلى المحاكم المدنية بعد إلغاء القضاء الشرعي، وظلَّ يعمل بالقضاء، ويترقى في مناصبه حتى عُين مستشارًا بمحاكم الاستئناف في عام 1976م.
كما عُيِّن الشيخ جاد الحق علي جاد الحق مفتيًا للديار المصرية في عام 1978م، فعمل على تنشيط الدار، والمحافظة على تراثها الفقهي، ثم عُيّن وزيرًا للأوقاف في عام 1982م، وظلَّ به شهورًا قليلة، اختير بعدها شيخًا للجامع الأزهر في مارس من نفس العام.
ولعل من أبرز ما يكشف اتساع النص القانوني ومرونته القديمة، أن فضيلة الإمام محمد متولي الشعراوي - بما له من أثر بالغ وميراث دعوي وفكري هائل في وجدان الأمة - كاد أن يتولى مشيخة الأزهر الشريف في ظل نفس مواد قانون 103 القائم حتى اليوم قبل أن يرفض ذلك ويتفرغ لتفسير القرآن الكريم حتى نهاية عمره، رغم أنه لم يكن يحمل الدكتوراه الأكاديمية بالمفهوم الجامعي الحديث، وهو ما يؤكد أن القانون ظل يعتمد، في جوهره، على المكانة العلمية والدعوية العامة والتقدير الشخصي، والاختيار السياسي أكثر من اعتماده على معايير بحثية وأكاديمية دقيقة ومحددة تتناسب مع طبيعة المنصب في عصر أصبحت فيه المرجعيات الكبرى تُبنى أيضًا على التوثيق العلمي والإنتاج البحثي والمؤسسية الحديثة.
وهنا لا يكون السؤال انتقاصًا من هؤلاء الأعلام والأفذاذ الكبار، وإنما سؤالًا يتعلق بطبيعة الدولة الحديثة نفسها، وبكيفية بناء المرجعيات الكبرى في عصر أصبحت فيه المؤسسات العلمية الدولية تُقاس بمعايير البحث والإنتاج الأكاديمي والتخصص الدقيق والتوثيق العلمي، فكيف يمكن أن يكون شيخ الأزهر مرجعًا أعلى لمن هم دونه وظيفيًا بينما قد يكون بعض هؤلاء أكثر منه حصولًا على درجات أكاديمية أو إنتاجًا للبحوث والدراسات العلمية المحكمة؟
إن هيبة المنصب لا ينبغي أن تقوم فقط على التاريخ والمكانة المعنوية، بل يجب أن يدعمها القانون نفسه بمعايير علمية واضحة، تجعل من يتولى هذا المقام صاحب مرجعية موثقة علميًا وبحثيًا وأكاديميًا، بما يتناسب مع خطورة المنصب وحجم تأثيره العالمي، خاصة في زمن أصبحت فيه المعركة الفكرية والدينية تُخاض بالأدوات العلمية والمعرفية والمؤسسية، لا بالمكانة الرمزية وحدها، وهو ما يفتح باب التساؤل حول طبيعة الأسس التي يُبنى عليها هذا الاختيار في التطبيق العملي.
ولعل اللافت للنظر أن غالبية شيوخ الأزهر قبل صدور القانون 103 لسنة 1961م، لم يكونوا حاصلين على الشهادات الأكاديمية العليا بالمفهوم الجامعي الحديث، وهو أمر يمكن تفهمه في سياقه التاريخي، حيث كانت “العالمية” الأزهرية تمثل آنذاك قمة التأهيل العلمي والديني في العالم الإسلامي، لكن المفارقة الحقيقية أن القانون نفسه، الذي صدر لاحقًا حاملًا مشروعًا ضخمًا لتطوير الأزهر ونقله إلى مرحلة جديدة - كما أوضحت مذكرته الإيضاحية وكما نصت عليه مادته الثانية - لم ينعكس منه هذا الطموح على شروط اختيار الإمام الأكبر في مادته الخامسة، ومن هنا تظهر أهمية إعادة النظر في المادة الخامسة، التي اكتفت بأن يكون شيخ الأزهر من خريجي الأزهر الشريف، دون اشتراط مؤهلات عليا أو معايير علمية دقيقة تتناسب مع حجم المنصب، وهو ما يجعل الاختيار- في صورته الحالية - أقرب إلى التقدير العام منه إلى منظومة معايير مؤسسية صارمة وواضحة، أو إلى الاختيار السياسي بغض النظر عن القيمة والقدرات العلمية التي تؤهل منصب الإمام الأكبر ليصبح المرجعية الأعلى.
ويتصل بذلك مباشرة الحديث عن المادة السادسة:
الخاصة بطريقة اختيار شيخ الأزهر، والتي تبدو في حاجة إلى تحديث يوازن بين أمرين: الحفاظ على قدسية واستقلال المنصب، وفي الوقت نفسه وضع آلية أكثر وضوحًا وشفافية تضمن أن يكون الاختيار قائمًا على الكفاءة العلمية والإدارية والخبرة المؤسسية، لا مجرد التوافقات التقليدية عبر الانتخاب داخل هيئة كبار العلماء.
ثم تأتي المادة السابعة المتعلقة بوكلاء الأزهر:
وهي من المواد التي تكشف بوضوح فجوة التطبيق، فالنص الذي يجيز وجود “وكيل أو أكثر” كان يحمل مرونة نظرية، لكنه لم يتحول إلى هيكل إداري متكامل يواكب اتساع المؤسسة. فالأزهر اليوم لم يعد مؤسسة ذات ملف واحد، بل كيان متعدد الأدوار: تعليمية، دعوية، إفتائية، دولية، وثقافية، ومن ثم، يصبح من الطبيعي التساؤل: لماذا لا يُعاد بناء هذه المادة على أساس تقسيم وظيفي واضح، مثل وكيل للشؤون الداخلية، وآخر للشؤون الدولية، وثالث للتطوير المؤسسي، بما يحقق توزيعًا رشيدًا للمهام بدل تركزها في نطاق محدود؟
ويزداد هذا الطرح أهمية إذا وضعنا في الاعتبار أننا جميعًا نحرص على الحفاظ على قدسية ومكانة منصب الإمام الأكبر شيخ الأزهر، باعتباره منصبًا دستوريًا رفيعًا غير محدد بمدة وغير قابل للعزل وفقًا للدستور، وهذه الحماية الدستورية الواجبة تقتضي في المقابل بناء هيكل إداري معاون أكثر قوة ومرونة واستدامة، لأن شاغل هذا المنصب قد يستمر لعقود طويلة وعمر مديد، بما يجعل من الطبيعي أن يحتاج إلى شبكة واسعة من الوكلاء والمعاونين المؤسسيين القادرين على دعم حركة الإدارة والتطوير والمتابعة اليومية، والحفاظ في الوقت ذاته على مكانة الإمام الأكبر وهيبته، خاصة مع تعاظم الأعباء المحلية والإقليمية والدولية الملقاة على الأزهر الشريف، وفي وقت قد تصبح فيه طبيعة العمر ومتطلبات الصحة عاملًا يستوجب توزيع المسؤوليات بصورة أكثر مؤسسية وحداثة، دون أي مساس بصلاحيات الإمام الأكبر أو مكانته الدينية والدستورية الرفيعة.
وفي المادة الثامنة المختصة بهيئات الأزهر:
تبرز الإشكالية بصورة أكبر عند النظر إلى المادة، إذ نجد أن الواقع سبق القانون بسنوات طويلة. فهناك كيانات مؤثرة نشأت وتوسعت دون وجود إطار قانوني خاص لها بقانون الأزهر، مثل رابطة خريجي الأزهر التي تعمل كمنظمة غير حكومية داخل مؤسسة الأزهر الشريف، وأكاديمية الأزهر العالمية للتدريب، وبيت الزكاة والصدقات المصري، وغيرها من المؤسسات التي أصبحت تمارس أدوارًا محلية ودولية واسعة وموثوقة ومحترمة، وتحتاج لدعم دورها أن تكون جزءًا من بنية قانونية واضحة ومفصلة ومحددة داخل القانون الأصلي، بغض النظر عن أي قانون خاص لها كما في حالة بيت الزكاة والصدقات المصري، فهو في النهاية منتسب للأزهر الشريف وتحت إشراف إمامه الأكبر ويجب أن يتمتع بصورة أكبر بإمكانات الأزهر ومكانته العالمية.
وهنا تظهر أسئلة تنظيمية ومؤسسية جوهرية تتعلق بطبيعة هذه الكيانات وآليات عملها داخل البنية العامة للأزهر الشريف، في ضوء ما فرضه التطبيق الفعلي والعملي على الأرض من توسع وتعدد في الأدوار والاختصاصات، فالأمر لم يعد متعلقًا بأشخاص أو أسماء بعينها، وإنما بحاجة إلى إطار قانوني أكثر وضوحًا يحدد الطبيعة التنظيمية لهذه المؤسسات ويدمجها داخل قانون جديد للأزهر، ويحدد آليات إدارتها، والمعايير العامة المنظمة لشغل مواقعها القيادية بها، من حيث الخبرة والكفاءة والتفرغ والارتباط المؤسسي، بما يضمن استقرار العمل المؤسسي واستمراريته، ويمنح هذه الكيانات وضعًا قانونيًا وإداريًا أكثر تحديدًا واتساقًا مع حجم الدور الذي تؤديه محليًا ودوليًا.
ثم تأتي المادة التاسعة وما يليها وحتى المادة الرابعة عشرة، المتعلقة بالمجلس الأعلى للأزهر:
لتكشف إشكالية أخرى تتعلق بتكوين هذا المجلس واختصاصاته. فالتشكيل الحالي يعكس تصورًا تاريخيًا للمؤسسة، بينما الواقع يشير إلى أن الأزهر اليوم يضم تخصصات علمية وطبية وهندسية وإدارية وتقنية لا بد أن يكون لها حضور داخل هذا المجلس، حتى يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تعكس الطبيعة الفعلية للمؤسسة الحديثة، خاصة بعد أن توزعت كليات جامعة الأزهر في شبه مناصفة تقريبية بين الكليات الشرعية والعملية.
كما أن هذه المواد لا تزال بحاجة إلى إدخال مفاهيم الحوكمة الحديثة، مثل التخطيط الاستراتيجي، وقياس الأداء، وإدارة المخاطر، وآليات المتابعة والتقييم، وهي مفاهيم أصبحت أساسية في إدارة المؤسسات الكبرى، لكنها لم تُدمج بصورة كافية في الإطار القانوني الحالي.
ثم نصل إلى المادة الخامسة عشرة الخاصة بمجمع البحوث الإسلامية:
وهي من أكثر المواد التي تثير تساؤلًا جوهريًا حول مدى تحقيق الهدف الذي أُنشئ من أجله، وجاء في نصها:(مجمع البحوث الاسلامية هو الهيئة العليا للبحوث الاسلامية وتقوم بالدراسة فى كل ما يتصل بهذه البحوث، وتعمل على تجديد الثقافة الاسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب واثار التعصب السياسي والمذهبي، وتجليتها فى جوهرها الأصيل الخالص، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وفى كل بيئة وبيان الرأي فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل تبعة الدعوة الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة)
فالمجمع صُمم ليكون العقل العلمي للأزهر، والمسؤول عن تجديد الفكر، وضبط الفتوى، والتعامل مع قضايا التراث والخطاب الديني، لكن استمرار الجدل حول قضايا الفتوى والتراث والانقسام الفكري داخل المجال الديني يفتح باب التساؤل أيضًا: هل أدى المجمع دوره في مجتمع يعرفه ويعرف أثره بالصورة التي تصورها القانون عند إنشائه، أم أن الواقع تجاوز أدواته التقليدية؟
أما جامعة الأزهر:
فقد أصبحت كيانًا أكاديميًا ضخمًا يتجاوز حدود التصور الذي وُضع عند صدور القانون، حيث تضم اليوم نحو 100 كلية شرعية ومدنية وطبية وهندسية في آن واحد، أي تعادل تقريبا عدد كليات جامعة القاهرة والإسكندرية وأسيوط وطنطا والمنصورة مجتمعة، في نفس الوقت الذي لا تزال بعض النصوص المنظمة لها تنتمي إلى مرحلة لم تكن فيها هذه التوسعات قائمة، ومازال العرف يمنع تقلد الأساتذة من الكليات العملية مثل الطب والهندسة والعلوم والصيدلة وغيرها لمنصب رئيس الجامعة، رغم أن القانون لا يمنع ذلك، ويحق لأي أستاذ عامل مستوف الشروط في أي كلية عملية الترشح لمنصب رئيس الجامعة، لكن ثغرة في مواده جعلت العرف يسود أي قانون.
وينسحب الأمر ذاته على المعاهد الأزهرية:
التي تمثل قاعدة التعليم الأزهري، والتي تحتاج إلى إعادة نظر في فلسفة المناهج، وربط العلوم الدينية بالعلوم الحديثة، وإعادة تأهيل المعلم، وتطوير أبنيتها وتوفير الموارد اللازمة لذلك بما يتناسب مع متغيرات العصر ومتطلبات المعرفة المعاصرة.
إن ما تكشفه هذه الأمثلة ليس مجرد تفاصيل قانونية على سبيل المثال، بل هو صورة أوسع لفجوة متزايدة بين قانون صيغ في ستينيات القرن الماضي، ومؤسسة أصبحت اليوم واحدة من أكثر المؤسسات الدينية والتعليمية حضورًا وتأثيرًا في العالم.
والواجب علينا أن نكون أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى لدعم الأزهر بقانون يحافظ على مكانته العالمية واستقلاله وأن نمكنه من خلال قانون جديد متواكب مع العصر لتحقيق رسالته، وأن نجيب على السؤال الحاسم: هل لا يزال القانون 103 قادرًا على إدارة الأزهر كما هو اليوم، أم أن المؤسسة تجاوزت بالفعل الإطار الذي صُمم ليحكمها، إلى درجة تجعل إعادة النظر فيه ضرورة لا خيارًا؟
وللحديث بقية.




















0 تعليق