منذ إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، تشكلت بين مصر والإمارات علاقة سياسية خاصة تجاوزت حدود التعاون التقليدي بين الدول العربية، لتتحول مع مرور الوقت إلى نموذج لتحالف استراتيجي قائم على الثقة المتبادلة ووحدة الرؤية تجاه قضايا الأمن القومي العربي.
وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، حافظت القاهرة وأبوظبي على مسار ثابت من التقارب السياسي والتنسيق المشترك، في ظل قناعة راسخة لدى قيادتي البلدين بأن استقرار المنطقة العربية يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدول العربية الرئيسية على العمل المشترك ومواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة.
زخم غير مسبوق
وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت العلاقات المصرية الإماراتية زخمًا غير مسبوق، مدفوعة بحالة من التفاهم السياسي العميق بين الرئيس عبدالفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، وهو ما انعكس بوضوح في كثافة اللقاءات والقمم الثنائية التي جمعت الجانبين، والتي تجاوز عددها الأربعين لقاءً خلال العقد الأخير، في مؤشر واضح على مستوى التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين بشأن مختلف القضايا الإقليمية والدولية.
هذا التقارب لم يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل امتد ليشمل مجالات واسعة من التعاون الاقتصادي والاستثماري والأمني والعسكري، فضلًا عن الشراكة في ملفات الطاقة والتنمية والبنية التحتية، إلى جانب تنسيق وثيق في إدارة الأزمات الإقليمية، سواء ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أو التطورات في ليبيا والسودان واليمن، وكذلك التحديات المرتبطة بأمن الخليج العربي والتوترات المتصاعدة في المنطقة.
ومع كل أزمة شهدها الإقليم خلال السنوات الماضية، برهنت القاهرة وأبوظبي على متانة تحالفهما السياسي والاستراتيجي، عبر مواقف متبادلة من الدعم والتضامن، انطلاقًا من رؤية مشتركة تعتبر أن الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية ودعم استقرار الدول العربية يمثلان حجر الأساس لأمن المنطقة بأكملها.
ولهذا ظلت العلاقات المصرية الإماراتية واحدة من أكثر العلاقات العربية تماسكًا وتأثيرًا، في وقت شهدت فيه المنطقة تحولات عميقة واضطرابات سياسية وأمنية متلاحقة.
وتكشف سلسلة الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين عن حجم هذا التقارب، حيث شكلت كل محطة سياسية جديدة تأكيدًا على خصوصية العلاقة بين القاهرة وأبوظبي، وعلى استمرار الرهان المشترك لبناء شراكة عربية قوية قادرة على مواجهة تحديات الحاضر وصياغة توازنات المستقبل.
أبرز المحطات والزيارات المتبادلة بين مصر والإمارات
وفي أحدث محطات هذا المسار، جاءت زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى أبوظبي في 19 مارس الماضي بعد العدوان الايراني على دول المنطقة ضمن جولة خليجية هدفت إلى التأكيد على تضامن مصر الكامل مع دولة الإمارات ودول الخليج العربي في مواجهة التهديدات الإقليمية المتزايدة، في ظل ما تشهده المنطقة من توترات سياسية وأمنية متصاعدة.
وسبقتها بأسابيع زيارة رسمية أخرى للرئيس السيسي إلى الإمارات في 9 فبراير الماضي، عكست استمرار التنسيق السياسي الوثيق وحرص القيادتين على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدينن ثم جاءت زيارة الامس 7 مايو الجاري لتضع لبنة جديدة في مسار علاقات البلدين والتأكيد على أن أمن البلدين واحد لا يتجزأ.
كما شهد عام 2024 محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، حين استقبل الرئيس السيسي الشيخ محمد بن زايد في القاهرة يوم 23 مارس 2024، حيث بحث الجانبان تطورات الأوضاع الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب في قطاع غزة، إلى جانب سبل تعزيز العلاقات الثنائية في المجالات المختلفة.
وفي نوفمبر من العام نفسه، التقى الرئيس السيسي الشيخ خالد بن محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، على هامش قمة مجموعة العشرين بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، في لقاء عكس استمرار التنسيق السياسي بين البلدين في المحافل الدولية.
أما عام 2023، فقد شهد نشاطًا سياسيًا مكثفًا بين الجانبين، حيث زار الشيخ محمد بن زايد مصر في أغسطس من ذلك العام، وعقد مباحثات موسعة مع الرئيس السيسي تناولت آفاق التعاون المشترك والتطورات الإقليمية.
كما شارك الرئيس المصري في يناير 2023 في قمة أبوظبي التي جمعت قادة مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي، لبحث التحديات الإقليمية وتعزيز العمل العربي المشترك.
وفي عام 2022، تكثفت اللقاءات الثنائية بصورة لافتة، إذ التقى الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد في شرم الشيخ على هامش مؤتمر المناخ العالمي “COP27”، كما شهد العام نفسه عدة زيارات متبادلة، من بينها زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى مصر في أغسطس 2022، وزيارة الرئيس السيسي إلى أبوظبي في مايو من العام ذاته لتقديم واجب العزاء في وفاة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، في مشهد عكس عمق الروابط الإنسانية والسياسية بين البلدين.
وشهدت تلك الفترة أيضًا زيارات متكررة للشيخ محمد بن زايد إلى القاهرة، سواء بصفته وليًا لعهد أبوظبي آنذاك أو بعد توليه رئاسة الدولة، حيث عقد سلسلة من المباحثات مع الرئيس السيسي ركزت على تعزيز التنسيق السياسي والاستراتيجي، وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي والعسكري، ومتابعة تطورات الملفات الإقليمية المختلفة.
تعاون عسكري وأمني بين مصر والإمارات
وعلى الصعيد العسكري والأمني، عكست مشاركة الشيخ محمد بن زايد في افتتاح قاعدة “3 يوليو” البحرية بمنطقة جرجوب غرب مصر في يوليو 2021، وكذلك حضوره افتتاح قاعدة برنيس العسكرية على البحر الأحمر في يناير 2020، مستوى الثقة والتنسيق الدفاعي بين البلدين، في ظل اهتمام مشترك بتعزيز الأمن الإقليمي وحماية الممرات البحرية الاستراتيجية.
كما شهدت الأعوام السابقة سلسلة من اللقاءات والزيارات المتبادلة التي رسخت الشراكة المصرية الإماراتية، من بينها زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات في نوفمبر 2019، وزيارات الشيخ محمد بن زايد المتكررة إلى القاهرة خلال أعوام 2018 و2017 و2016، والتي تركزت على بحث تطورات الأوضاع في ليبيا واليمن وسوريا، إلى جانب ملفات مكافحة الإرهاب والتطرف وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
تعاون اقتصادي واستثماري بين مصر والإمارات
ولم تقتصر العلاقات الثنائية على التنسيق السياسي والأمني فقط، بل شهدت تعاونًا اقتصاديًا واستثماريًا متناميًا، حيث أصبحت الإمارات واحدة من أكبر الدول المستثمرة في مصر، في وقت شاركت فيه الشركات الإماراتية في تنفيذ مشروعات تنموية كبرى، شملت قطاعات الطاقة والعقارات والبنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبدو العلاقات المصرية الإماراتية مرشحة لمزيد من التوسع والتنسيق خلال السنوات المقبلة، خاصة في ضوء التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه العالم العربي.
فالقاهرة وأبوظبي تنطلقان من رؤية مشتركة تؤمن بأهمية الحفاظ على الدولة الوطنية، ودعم مؤسساتها، وتعزيز العمل العربي المشترك باعتباره السبيل الأكثر فاعلية لمواجهة الأزمات وتحقيق الاستقرار.
وعلى مدار العقود الماضية، أثبتت العلاقة بين مصر والإمارات أنها ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل شراكة استراتيجية متكاملة استطاعت الصمود أمام مختلف التحولات الإقليمية والدولية، لتظل نموذجًا لعلاقات عربية قائمة على الثقة والتنسيق والمصالح المشتركة، في منطقة لا تزال تواجه تحديات غير مسبوقة على المستويات كافة.

















0 تعليق