فالجولة الثالثة المرتقبة من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن الأسبوع المقبل، حيث سيترأس السفير سيمون كرم الوفد اللبناني، لا تبدو مجرد استكمال تقني لاتفاق وقف إطلاق النار، بل محطة جديدة في مسار بالغ الحساسية.
المفاوضات المنتظرة، وفق المعطيات المتداولة، ستتناول ملفات شديدة التعقيد، تبدأ بوقف الغارات الإسرائيلية والاغتيالات، ولا تنتهي عند الانسحاب من الجنوب وتعزيز دور الجيش، مروراً بآلية مراقبة أميركية يُراد لها أن تكون أكثر فاعلية من الصيغ السابقة. غير أن هذا المسار يصطدم بانقسام داخلي حاد بين فريق يعتبر أن التفاوض ضرورة لحماية الاستقرار ومنع انزلاق لبنان إلى حرب مفتوحة، وفريق آخر يرى فيه مدخلاً لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تمسّ بسيادة لبنان.
ويزداد هذا الانقسام حدة مع تزايد المؤشرات إلى أن المجتمع الدولي لا ينظر إلى الجنوب فقط من زاوية تثبيت الهدنة، بل من زاوية إعادة صياغة المشهد الأمني بالكامل. فثمة مقاربات دولية تتقدّم بهدوء نحو تعديل آليات الانتشار والرقابة، وربما نحو إنشاء إطار أمني جديد يتجاوز الصيغة التقليدية لقوات اليونيفيل، بما يعكس تحولاً أوسع في النظرة الدولية إلى الحدود الجنوبية وإدارة التوازنات فيها، لا سيما أن إسرائيل لا تخفي رغبتها في إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان.
وفي هذا السياق، تبرز القراءة التي تربط بين الملف اللبناني والتحولات الإقليمية الكبرى، خصوصاً الحديث عن اتفاق مرتقب بين واشنطن وطهران قد يعلن عنه قبل زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، وما يمكن أن يتركه ذلك من انعكاسات مباشرة على الساحة اللبنانية.
وبحسب هذه القراءة، فإن بند حصر السلاح سيبقى ثابتاً في أي تسوية مقبلة، سواء جاءت في إطار تفاهم أميركي-إيراني أو ضمن اتفاق مباشر بين لبنان وإسرائيل، مستنداً إلى تفاهم أوسع بين طهران وواشنطن. الا أن البحث في القضايا المرتبطة ببنية التوازنات الداخلية ومستقبل السلاح ودور الدولة لن يكون جزءاً من التفاوض مع إسرائيل، بل يفترض أن يعالج لاحقاً ضمن مسار داخلي برعاية عربية، وخصوصاً من مصر والسعودية.
وفي موازاة ذلك، تتحرك فرنسا بقوة لمنع خسارة نفوذها التقليدي في لبنان، حيث أفيد عن زيارة مرتقبة للموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت خلال الأيام المقبلة. وتقول مصادر سياسية إن باريس ترغب في تثبيت حضورها داخل أي ترتيبات مقبلة، وتدرك أن ابتعادها عن الملف اللبناني يعني عملياً خسارة آخر نافذة استراتيجية لها في المشرق، خصوصاً بعد غياب أي دور فعّال لها في سوريا والعراق، وفي ظل تنامي النفوذ الأميركي في إدارة الملف الأمني اللبناني.
ورغم تهميش الدور الفرنسي داخل لجنة "الميكانيزم"، والرفض الاسرائيلي الواضح لمشاركة باريس في المسارات التفاوضية، فإن فرنسا لا تبدو مستعدة للانسحاب، بل إن المعلومات المتداولة تشير إلى تفكير جدي بصيغة جديدة للحضور العسكري الفرنسي بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، ربما عبر قوة أوروبية – عربية تحظى بشرعية دولية، وتضم دولاً مثل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا، إلى جانب مساهمات من مصر وقطر وإندونيسيا، التي تملك أساساً قوات ضمن الوحدات الدولية العاملة في جنوب لبنان.
وفي هذا الإطار، اكتسبت زيارة رئيس أركان الرئاسة الفرنسية، الجنرال فنسان جيرو إلى بيروت أهمية خاصة، إذ عكست مستوى الاهتمام الفرنسي المباشر بالوضع اللبناني، ولا سيما الرهان الفرنسي على دعم الجيش بوصفه المؤسسة القادرة على حفظ الاستقرار. غير أن هذا الدعم يصطدم، بحسب مصادر سياسية، بقرار غربي بعدم تسليح الجيش بالقدرات النوعية المطلوبة، ما يطرح علامات استفهام حول حدود الدعم الدولي الحقيقي للبنان.
وفي ظل هذه الصورة المعقدة، يبدو لبنان أمام مرحلة دقيقة، ليبقى السؤال الأساسي: هل سيتمكن من استغلال التفاهمات والتوازنات الجديدة في المنطقة، والتكتلات التي بدأت تتبلور، لتحويلها إلى فرصة تحمي استقراره وتعيد إليه دوره؟














0 تعليق