داخل أزقة منطقة بحري الشهيرة بمحافظة الإسكندرية، يظهر «سوق الترك» كواحد من أقدم وأهم معاقل صناعة الأثاث اليدوي في المدينة، حيث يضم عشرات الورش التي تتخصص في تصنيع وتشطيب مختلف قطع الأثاث، لتخرج في النهاية بجودة عالية تنافس المعروض في كبرى معارض الموبيليا.
على مدار عقود طويلة، كان السوق مقصدًا رئيسيًا لأهالي الإسكندرية، بل وللجاليات الأجنبية التي عاشت في المدينة، نظرًا لانخفاض تكلفة التصنيع مقارنة بشراء الأثاث الجاهز، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الجودة والدقة، بفضل مهارة الحرفيين الذين يجيدون تنفيذ مختلف التصميمات وفقًا لرغبات العملاء.
وخلال جولة ميدانية داخل السوق، التقت «الدستور» بعدد من أصحاب الورش والحرفيين، للوقوف على تاريخ السوق وتطوراته، والتحديات التي تواجهه في الوقت الحالي.
ورشة الحاج سيد تتحدى الزمن وتحافظ على جودة الصنعة
يقول الحاج السيد النُحسي، أحد أقدم أصحاب ورش الأثاث بسوق الترك، إنه ورث المهنة عن والده وجده، مشيرًا إلى أن عائلته تعمل في النجارة منذ أكثر من 100 عام، ما يجعله من أقدم العاملين في هذا الشارع العريق.
وأوضح أن السوق اكتسب اسمه من تواجد أعداد كبيرة من التجار الأتراك به قديمًا، مضيفًا أنه بدأ العمل في سن الثانية عشرة، حين كان السوق يعج بالورش والمعارض، حيث كانت عملية التصنيع تبدأ من الخشب الخام حتى تسليم القطعة كاملة.
وأضاف أن السوق شهد تغيرات كبيرة بمرور الوقت، حيث تراجعت أعداد الورش تدريجيًا، خاصة مع صعود مدينة دمياط كمركز رئيسي لصناعة الأثاث في مصر، نظرًا لانخفاض الأسعار هناك، ما أثر على حجم العمل داخل السوق.
ورغم ذلك، يؤكد «النُحسي» أن سوق الترك لا يزال يتميز بتقديم منتجات أقل سعرًا وأعلى جودة مقارنة ببعض المعارض، لافتًا إلى أن الحرفيين قادرون على تنفيذ كافة التصميمات الحديثة ومواكبة تطورات السوق.
وتطرق إلى أزمة نقص العمالة الحرفية، مشيرًا إلى أن عدد الصنايعية تراجع بشكل ملحوظ، بسبب عزوف الشباب عن تعلم المهنة، في ظل غياب الرغبة لدى كثير من الأسر في توارث الحرف اليدوية، على عكس ما كان يحدث في الماضي. وأضاف أنه حرص على تعليم ابنه المهنة إلى جانب دراسته، حتى أصبح طبيبًا ويجيد الحرفة في الوقت ذاته، مؤكدًا أن هناك نماذج شبابية لا تزال متمسكة بالعمل والاجتهاد.
نحافظ على المهنة ونواكب التصميمات الحديثة
ومن جانبه، يقول خميس شحاتة، 74 عامًا، صاحب ورشة تنجيد بالسوق، إن صناعة الأثاث شهدت تطورًا كبيرًا مقارنة بالماضي، حيث كانت «الصالونات» تُصنع بالكامل داخل الورش باستخدام خامات تقليدية، بينما أصبحت اليوم تعتمد على خامات حديثة تواكب متطلبات العصر.
وأوضح أن مراحل الإنتاج قديمًا كانت تتم داخل الورشة من البداية للنهاية، بمشاركة صنايعية مهرة، أما الآن فغالبًا ما يتم جلب الهياكل الخشبية من دمياط، ثم تُستكمل مراحل التشطيب داخل ورش السوق، من خلال «الاستورجي» أو المتخصص في الدهانات أو التذهيب، وهي ثلاث مهن رئيسية تشارك في إخراج المنتج النهائي.
وأشار إلى أن «الانتريهات» باتت تتوفر بنوعين؛ الجاهز، والمُصنّع داخل الورش، حيث تبدأ عملية التصنيع من الهيكل الخشبي وحتى التنجيد الكامل بمختلف أنواعه، بالإضافة إلى خدمات تجديد الأثاث القديم، لضمان الحفاظ على جودة القطع.
وتحدث شحاتة عن تغير ثقافة العمل، موضحًا أن الأجيال السابقة كانت حريصة على تعلم الحرف منذ الصغر، خاصة خلال الإجازات الصيفية، بينما يفضل كثير من الشباب حاليًا الأعمال الأسهل، مضيفًا أنه بدأ العمل في سن 12 عامًا، وتعلم المهنة من والده الذي كان يعمل منجدًا، مؤكدًا أنهم نجحوا في مواكبة التطورات الحديثة في التصميم والخامات. ولفت إلى أن أسعار الأثاث قديمًا كانت بسيطة للغاية، حيث كان يُباع «الانتريه» كاملًا بنحو 230 جنيهًا.
السوق لا يزال يحتفظ بتميزه
و يقول محمد البربري، أحد العاملين في مجال تصنيع الصالونات بسوق الترك، إن السوق لا يزال يحتفظ بوجود ورش تصنيع، رغم انتشار معارض الأثاث والمنتجات الجاهزة القادمة من دمياط.
وأوضح أن الورش تقوم بشراء بعض المكونات الخشبية الجاهزة، سواء للصالونات أو غرف النوم أو السفرة، ثم يتم استكمال أعمال التشطيب داخل السوق، مؤكدًا أن هناك قطعًا لا تزال تُصنع بالكامل داخل الورش، خاصة تلك التي تتطلب مهارات يدوية دقيقة، مثل الكراسي المصنوعة بفن «الكانيه» التقليدي، الذي لا يزال له حرفيون متخصصون.
واختتم البربري حديثه بالتأكيد على أن «سوق الترك» لا يزال يحتفظ بمكانته التاريخية داخل الإسكندرية، حيث يجد الزائر مختلف الموديلات والتصميمات، رغم تراجع أعداد الحرفيين، مشددًا على أن السوق سيظل شاهدًا على تاريخ طويل من الحرف اليدوية والإبداع في صناعة الأثاث.
اقرأ أيضًا
هدية مصرية.. تفاصيل افتتاح جامعة سنجور الجديدة بحضور السيسي وماكرون












0 تعليق