في قلب القاهرة التاريخية، حيث تختلط حركة التجارة اليومية بذاكرة العاصمة المعمارية، تشهد منطقة العتبة والموسكي واحدة من أبرز عمليات التطوير الحضاري الهادفة إلى استعادة الطابع التراثي لواحدة من أكثر المناطق حيوية وتأثيرًا في تاريخ المدينة. ويأتي تطوير مبنى بريموس، أحد معالم العتبة البارزة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ضمن مشروع أوسع يقوده الجهاز القومي للتنسيق الحضاري برئاسة المهندس محمد أبو سعدة، لإحياء الهوية البصرية للقاهرة الخديوية والحفاظ على طابعها المعماري المميز.
مبنى بريموس.. شاهد على تاريخ العتبة التجاري والمعماري
يُعد مبنى بريموس، الذي يعود تأسيسه إلى عام 1930 على يد أفاديس نارسيس، نموذجًا بارزًا للعمارة التجارية التي ازدهرت في قلب العاصمة خلال النصف الأول من القرن العشرين. ومع مرور العقود، تراجعت الحالة البصرية للمبنى بفعل الإهمال والتكدس التجاري، قبل أن تبدأ أعمال تطويره ضمن خطة شاملة لإعادة واجهاته الأصلية وتحسين محيطه العمراني، بما يعكس قيمته التاريخية والمعمارية.
ويمثل المبنى جزءًا من ذاكرة العتبة التي كانت لسنوات مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا مهمًا، ما يجعل استعادته خطوة رمزية في مشروع أكبر لإعادة الاعتبار للقاهرة التراثية.
مشروع أوسع لإحياء القاهرة الخديوية الشعبية
وبحسب "التنسيق الحضاري"؛ فلا يقتصر التطوير على مبنى بريموس وحده، بل يمتد إلى إعادة تخطيط وتطوير منطقة سوق العتبة والموسكي بالكامل، بما يشمل: تطوير واجهات العقارات التاريخية، تحسين المشهد البصري للشوارع التجارية، تنظيم الأسواق وتقليل العشوائية، الحفاظ على النسيج العمراني المميز، ورفع كفاءة البنية التحتية والخدمات.
وتسعى هذه الجهود إلى تحقيق توازن بين الوظيفة التجارية للمنطقة باعتبارها أحد أهم مراكز التجارة الشعبية، وبين الحفاظ على طابعها التاريخي، بما يضمن استمرار النشاط الاقتصادي دون طمس الهوية التراثية.
الحفاظ على الهوية البصرية.. من الترميم إلى التوثيق
ضمن استراتيجية الجهاز، لا تقتصر الأعمال على الترميم فقط، بل تشمل أيضًا التوثيق الرقمي والمعماري للمباني ذات القيمة التراثية، باستخدام تقنيات حديثة مثل النماذج ثلاثية الأبعاد، بهدف صون الذاكرة العمرانية للعاصمة للأجيال المقبلة. ويعكس هذا التوجه تحولًا في مفهوم التطوير العمراني من مجرد تحسين شكلي إلى مشروع ثقافي متكامل يربط بين التنمية والحفاظ على التاريخ.
العتبة بين الماضي والمستقبل
تمثل العتبة، بما تضمه من أسواق تاريخية مثل الموسكي وسور الأزبكية ومبانٍ تجارية عريقة، نموذجًا فريدًا للقاهرة الشعبية ذات الجذور الخديوية. ومن خلال هذه المشروعات، تراهن الدولة على تحويل المنطقة إلى مساحة أكثر تنظيمًا وجاذبية، مع الحفاظ على خصوصيتها التي صنعتها عقود من التاريخ والتنوع الاجتماعي.
















0 تعليق