صعّدت اليونان وتركيا من رسائلهما الجيوسياسية من خلال مناورات عسكرية متوازية، مما أبرز الاستراتيجيات المتباينة في أوروبا وشرق البحر الأبيض المتوسط، حيث من المقرر أن تجري أثينا مناورة يوم 5 مايو الجاري بالقرب من جزيرتي ليمنوس وساموثراكي في شمال شرق بحر إيجة، مطالبة مرة أخرى بنزع سلاحهما – وهو طلب قوبل بالرفض من أثينا.
كانت أثينا قد عززت تحالفها مع الشركاء الأوروبيين من خلال مشاركتها في مناورات أوريون 2026 في فرنسا، بينما أظهرت أنقرة طموحاتها الإقليمية بمشاركتها في مناورات فلينتلوك 2026 في ليبيا. وقد عكست هذه التحركات تباينًا في استراتيجيات بسط النفوذ في ظل تغير موازين القوى في منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.
سجلت اليونان سابقة في تاريخها العسكري بنشر معدات ثقيلة لمسافة تتجاوز 2000 كيلومتر، ولأول مرة، نشرت اليونان معدات مدرعة ثقيلة - بما في ذلك دبابات ليوبارد 1A5 ومركبات ماردر 1A3 المدرعة - على بعد أكثر من 2000 كيلومتر للمشاركة في المناورات العسكرية أوريون 2026 التي تقودها فرنسا في مايلي لو كامب، شامبانيا.
شملت العملية عمليات نقل بحرية وبرية معقدة، مما أبرز القدرات اللوجستية المتنامية لليونان وقدرتها على بسط نفوذها. كما شاركت طائرات مقاتلة من طراز ميراج 2000-5 تابعة لسلاح الجو اليوناني من السرب 331، انطلاقًا من قاعدة مونت دو مارسان الجوية.
وتأتي هذه الخطوة بعد فترة وجيزة من قيام اليونان بنشر أصول بحرية وجوية بسرعة في قبرص في أعقاب التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، مما يسلط الضوء بشكل أكبر على تركيز أثينا على تعزيز قابلية التشغيل البيني مع الحلفاء الغربيين الرئيسيين، ولا سيما فرنسا.
جاء هذا الانتشار عقب إرسال سريع للفرقاطات والطائرات المقاتلة إلى قبرص قبل أسابيع، مما عزز رسالة أثينا لحلفائها بأنها لا تزال قادرة على نشر قواتها بسرعة في جميع أنحاء أوروبا. وقد عملت طائرات ميراج 2000-5 اليونانية التابعة للسرب 331 من قاعدة مونت دو مارسان الجوية، مما يؤكد تعميق العلاقات الدفاعية مع باريس وتعزيز الشراكة العسكرية الثنائية بما يتجاوز الالتزامات التقليدية.
في الوقت نفسه، عززت تركيا وجودها في شمال أفريقيا، مؤكدة على الأهمية الاستراتيجية لليبيا. وسلطت أنقرة الضوء على تحليق طائرة "أكينجي" بدون طيار بعيدة المدى ضمن حدود المذكرة التركية الليبية، في إشارة إلى نيتها بسط نفوذها في المنطقة.
في المقابل، تُعمّق تركيا انخراطها العسكري في ليبيا. وقد سلّطت أنقرة الضوء مؤخرًا على رحلة جوية بعيدة المدى لطائرة "أكينجي" المسيّرة إلى ليبيا، بعد يوم واحد من زيارة وزير الخارجية اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس إلى طرابلس، حيث بدأ جولة جديدة من المناقشات التي يمكن أن تؤدي إلى ترسيم المنطقة البحرية على أساس القانون الدولي.
عززت تركيا موقفها بتمديد وجودها العسكري في ليبيا لمدة 24 شهرًا إضافية، حتى عام 2028. وأكدت هذه الخطوة استراتيجية أنقرة في استخدام ليبيا كقاعدة للسيطرة على وسط البحر الأبيض المتوسط، مع تدريب القوات المحلية والمشاركة في مناورات متعددة الجنسيات لترسيخ دور طويل الأمد في المنطقة.
كما صوّت البرلمان التركي على تمديد وجودها العسكري في ليبيا حتى عام 2028، مما يؤكد اهتمام أنقرة الاستراتيجي طويل الأمد بالبلاد باعتبارها بوابة إلى وسط البحر الأبيض المتوسط.
فسرت مصادر عسكرية في أثينا إعلان تركيا عن رحلة أكينجي على أنه محاولة لإظهار القدرة العملياتية وممارسة الضغط، في إشارة إلى أن التحالفات مع دول مثل فرنسا أو إسرائيل لن تردع القدرات العسكرية التركية.
بينما عادت التوترات إلى الظهور في بحر إيجة، حيث ردت أنقرة على مناورة عسكرية يونانية مخططة في 5 مايو بالقرب من ليمنوس وساموثراكي، مكررة مطالبها بنزع سلاح الجزر.
وفي هذا السياق علق الباحث والمحلل اليوناني "يوانيس كوتولاس" لـ " الدستور" قائلا: "أعلنت اليونان عن مناورات عسكرية في ثلاث مناطق ببحر إيجة خلال شهر مايو/أيار: في ساموثراكي شمالًا، وجنوب ليمنوس، وغرب جزيرتي بسارا وخيوس. وكانت تركيا قد أصدرت إشعارًا ملاحيًا (NAVTEX) لنفس المناطق للترويج لروايتها المغلوطة حول نزع سلاح الجزر اليونانية. وقد أكدت اليونان مرارًا وتكرارًا أنها لن تنزع سلاح أي جزء من أراضيها الوطنية نظرًا لتعرضها المستمر لتهديدات جيوسياسية.
وتتبنى التكتيكات التركية نمطًا من تصعيد التوتر الثنائي، في حين حافظت اليونان من جانبها على مناخ متوازن تحقق خلال السنوات الماضية. وتُعد هذه التكتيكات الجديدة من الجانب التركي مؤشرًا على استياء اليونان بعد أن أبدت ديناميكية بإرسالها طائرات إف-16 إلى قبرص في مارس/آذار خلال الأزمة الإيرانية، وتجديدها شراكتها الاستراتيجية مع فرنسا.
وفي أبريل/نيسان، وقّعت اليونان وفرنسا اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة المعززة. وقد حوّل الجانبان تعاونهما العسكري إلى اتفاقية قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى، ووسعا نطاق التعاون الثنائي ليشمل مجالات أخرى تتجاوز المجال الأمني. وبذلك، تعمل اليونان وفرنسا على تعزيز قدراتهما الردعية، وبسط نفوذهما في البحر الأبيض المتوسط، وحماية الاستقرار الإقليمي في المنطقة المحورية من الجناح الجنوبي لأوروبا.
وبشكل عام، تُعزز اليونان قدراتها الردعية باستمرار من خلال تطوير علاقاتها مع قوى جيوسياسية رئيسية كفرنسا وإسرائيل، وتوطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة في ظل اضطرابات جيوسياسية وتغيرات في الأولويات الاستراتيجية الأمريكية في منطقة أوروبا والشرق الأوسط الكبرى.


















0 تعليق