المريلة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كنتُ وقتها بين النوم واليقظة، أفكّر تارةً فى رئيسى فى العمل وما يفعله بى بجبروته وبحذلقته المتناهية إلى الحد الممقوت.. كان لا عمل له ولا يشغله أمر سوى أنه يجعلنى كعقارب الساعة أروح ذهابًا وجيئة:

«روح يا أستاذ صابر... تعال يا أستاذ صابر»

أوصلنى إلى الدرجة التى كرهتُ فيها العمل وكرهته وكرهتُ اليوم الذى سُمِّيتُ فيه صابرًا. لم تعد لى القدرة على تحمّل أىّ شىء وصرت لا أريد أىّ شىء.. وتارةً أخرى تأخذنى دوامة الفكر فى أمى المريضة التى صارت فريسةً سهلة الهضم بين فكّى مرض الكبد الذى أحالها إلى خِرقة بالية.

جاءت ابنتى الصغيرة «نورا» خلال تلك اللحظات التى تسبق شروع شمس ذلك اليوم فى لملمة خيوطها من جوف الكون الرحيب..

فاجأتنى: بابا..

كانت تمسك شيئًا بيديها تُخفيه خلف ظهرها.

عايزة إيه يا نورا؟

حزر فزر.. ماما جابت لى إيه؟

كنتُ على الرغم من انزعاجى الذى تسببت فيه ابنتى لاقتحامها علىّ خلوتى وفى وقت راحتى المحدود قبل أن أستأنف فترة عملى المسائية.. إلا أنها انتشلتنى من دوامة التفكير فى شأن رئيسى فى العمل وفى أمر أمى المريضة..

أكيد جابت شوكولاتة أو جاتوه أو مصاصة..

راحت تهتز بقدّها الصغير الجميل المتناسق، وبخصلات شعرها الأسود الناعم المسترسل على وجهها الضاحك قائلة:

غُلب حمارك يا بابا؟

أيوه... غُلب من زمان.

تبقى أنت صفر على عشرة... مش كده يا بابا؟

لم أستطع الرد على ما قالته... إذ لا يُعقل أن أقرّ وأعترف بإرادتى الحرة الطليقة أمام ابنتى بأننى صفر على عشرة بعد هذا العمر الطويل الذى ضاع سدى دون أن أستطيع أن أعيش عيشة كريمة تكفل لها ولإخوتها حياة مستقرة هادئة.. إذ كل شهرين تقريبًا أغيّر مكان سكنى، وكل عدة سنوات يكون من نصيب الأسرة دخول أحد محلات الملابس لشراء ما يلزمها.. فمشاكلى فى العمل التى لا تنتهى، وأمى المريضة التى لا أجد لها علاجًا.. أليس هذا كله كفيلًا بأن يجعلنى صفرًا على عشرة؟

كان الليل قد أزف، وتأكد لى أن الليل دقّ بناقوسه على رأس الكون، ثم يهدأ رويدًا فيخيم على الكون وعلى الأشياء ذلك السكون المستباح.

وكان لا بد لى أن أنهى تلك المنازلة بينى وبين ابنتى على أى وضع كانت.. فالوقت كاد يقطع شرايين اليوم، ويُرغمنى على الرحيل إلى عملى.

قلت: قولى يا نورا.. ماما جابت إيه؟

أتت بما كانت تُخفيه خلف ظهرها.. فإذا بعلبة كرتونية بيضاء محاطة بورق السيلوفان الفضى، عليها شريط وردى يضفى عليها رونقًا جذابًا داخل كيس من البلاستيك الأسود.

قالت: مريلة.. مريلة جميلة يا بابا.. مريلة نورا.

مبروك يا نورا.

يبقى أنا إيه يا بابا؟

أنتِ إيه؟

أنا عشرة على عشرة.

أكيد.

وأنت إيه يا بابا؟

أنا إيه؟

أنت صفر على عشرة يا بابا..

وقبل أن أنطق، كانت قد حلّت وثاق ذلك الشريط الوردى الملفوف حول علبة الكرتون وأخرجت المريلة...

كانت ذات لون أزرق ومُطعّمة بكرات صغيرة من اللون الأبيض. ثم وضعت العلبة الكرتونية أمامى بجوار المريلة.. مريلة نورا كما أطلقت عليها هذا المسمى منذ لحظة إخراجها من العلبة. رحت أتفحّص بعينى وألامس بيدى قماش هذه المريلة الناعم الذى يتناسب مع التكوين الجسدى الضعيف للتلاميذ الصغار... لا أعرف لماذا جذبتنى هذه المريلة إلى استحضار عبق رحيق سنواتى الأولى من التعليم الابتدائى بمدرسة «المنشأة الابتدائية».. تلك الرائحة القديمة بكل ما فيها من عذابات صغيرة وأحلام كبيرة..

أعادتنى إلى تلك المريلة ذات اللون الأصفر الداكن، ذات القماش الذى يحتوى نسيجه على خشونة بغيضة.. تلك المريلة التى قلّما كانت تفارق جسدى الصغير طيلة فترة الدراسة. كانت هذه المريلة بالنسبة لى بمثابة عملة ذات وجهين.. كان وجهها الأول يتمثل فى ارتدائها أثناء اليوم الدراسى، إذ كانت هى الزى الرسمى الذى لا يُسمح لنا بالدخول إلى المدرسة بدونه.. والوجه الآخر تمثل فى الاحتفاظ بها على جسدى بعد اليوم الدراسى أيضًا... ولم يكن ذلك حبًا منى فيها، ولكن كنت مضطرًا لذلك حينما تمزقت كل ملابسى المتواضعة عبر تلك الأسلاك الشائكة حول «المقلب»...

ذلك المكان الذى كنت أحب الذهاب إليه بصفة مستمرة لصيد الدبابير والفراشات.. كنت لا أكف عن اللعب فى حارة «أبو مسلم»، تلك الحارة التى وُلدت فيها، وكنت كثير الحركة مشتعل النشاط رغم تكوينى الجسدى الضعيف.. ربما كان ذلك هو الدافع الكبير، وقد يكون الوحيد، الذى جعل الريس حسانين الطبال وزوجته الست زكية ينظران لى وكأننى ذلك العفريت الذى يخرج من مصباح علاء الدين، فيقوم بتلبية المطلوب فى سرعة بالغة..

صرت أنا أول شىء يفكران فيه لحظة استيقاظهما من نومهما الذى يقترب إلى ما بعد انتصاف نهار كل يوم.. حيث كانا يقطعان شوطًا كبيرًا من النوم ليكون ذلك تعويضًا لهما عن ساعات السهر التى تمتد حتى ساعات الصباح الأولى.. كان موعد خروجى من المدرسة فى منتصف النهار يتوافق أحيانًا مع لحظات الصحو من تلك الغفوة الطويلة الممتدة.

كانت اللحظات القليلة التى تسبق دق جرس الانصراف هى أحب اللحظات إلى قلبى، إذ كنت أرقب «عم السيد» الفراش واقفًا أسفل الجرس النحاسى الكبير المُعلّق أعلى شجرة الكازورينا العتيقة التى تتوسط فناء المدرسة.. يصعد فوق ذلك الكرسى الخشبى، ثم تعلو يده تجاه الجرس لتهبط بدقات متتالية قوية تعلن عن انتهاء اليوم الدراسى.. دقات تحمل فى مضمونها صكًا رسميًا لفك قيود الأسر اليومى..

كنت أول تلميذ يقذف بجسده ناحية باب المدرسة ليستقبلنى «عم ملاك» مبتسمًا كعادته قائلًا:

بكرة جاى نوع جديد من الكرملة.. متنساش.

وكان «عم ملاك» قصيرًا شديد بياض الوجه، يحمل فوق رأسه تلالًا من الشعر الأبيض المهوّش.. كان كثيرًا ما يتلعثم حين يتكلم، فيصير من يسمع كلامه مُرغمًا على الضحك الحاد المتصل.. وكان من خلال استقباله لى بباب المدرسة عند خروجى كل يوم يعطينى دفعة قوية للاستحواذ على أكبر قدر من النقود لأكون أول زبائن الصباح فى دكانه الصغيرة القابع أمام باب المدرسة.

كان لتجدّد أنواع الكرملة التى يبيعها لنا عم ملاك أكبر الأثر فى توطيد العلاقة بيننا، إذ صار يعتبرنى أهم زبائنه الدائمين.. وكنت أعتبره أحب الناس إلى قلبى، إذ بدا لى أنه يحبنى حبًا شديدًا.

لما انطلق أذان الظهر من مكبر الصوت المعلّق أعلى مئذنة جامع المنتصر، كانت الفرحة تغمرنى.. إذ كان صوت الشيخ محمود رفيعًا مصحوبًا بسرسعة مدوية تُحدث فى المكان جلبة هائلة كفيلة بإيقاظ الموتى..

وما إن سمعت صرير باب الحجرة الأخيرة التى ينام فيها «الريس حسانين»، حتى كانت صورة حبات الكرملة ترسخ فى مخيلتى بطعمها اللذيذ الذى لم يفارق لسانى بمذاقاته المختلفة بين روائح فواكه البرتقال والموز والفراولة.

وكان هناك ارتباط وثيق بين اللحظة التى يستيقظ فيها الريس حسانين وزوجته الست زكية، وبين تأثير حصولى على حبات الكرملة المحببة إلى نفسى صباح اليوم التالى.

بعد سُعالات حادة وبصقات تملأ الأرض تصدر عن «الريس حسانين».. وبعد أن أسمع صوت الماء المتدفق الذى ينساب من الحنفية القابعة على جدار الحائط وسط صالة البيت.. يفتح «الريس حسانين» باب المنزل فيهب نسيم عطر نبات الريحان الذى يتكئ على ذلك الحامل الحديدى للزير المصنوع من الفخار.

كنت أقف أمام الريس حسانين فى تضرع، وما أن يلمح فى عينى آيات التأهب لتنفيذ الأمر، كان يقول لى دائمًا:

أنت دايمًا رافع درجة الاستعداد.

وكانت هذه الكلمات بمثابة الإذن الصريح لى بالدخول، فأهرول داخل البيت منتشيًا لأغسل براد الشاى، ثم أقوم بتجهيزه، وأقوم بتشطيف الأكواب، وبعد ذلك أفرش تلك الحصر القديمة بنقوشها الملوّنة لمآذن وطيور وأسماك رُسمت بعناية عبر نسيجها..

ثم أشعل نيران «الشالية» وأضع البراد وسطها...

وبعد أن ينتهى الريس حسانين من صلاة الصبح والظهر، يقوم بدس يده فى جيب صديريه لتخرج حافظة النقود.. وكانت ذات لون بنى قد تآكلت حوافها.. وكانت هذه الحافظة تتصل بسلسلة سميكة تنتهى بـ«علاقة» حديدية مشبوكة فى نسيج قماش الصديرى..

ربما كانت تلك إحدى الوسائل السائدة آنذاك بين الرجال للحفاظ على الحافظة وعلى ما بداخلها من نقود، ربما تتجاوز العشرين جنيهًا أحيانًا، من أن تلتقطها أصابع لص أو أن تقع على الأرض..

بعد أن يضع الريس حسانين فى يدى القروش لزوم «الاصطباحة»، أبدأ خط سيرى اليومى بأن أذهب أولًا إلى «عم رفاعى» الطعمجى ليملأ لى الطبق بالفول المدمس الممزوج بالفلفل الأسمر والشطة والكمون، ثم يزينه بخيوط ذهبية رفيعة من زيت السيرج..

ثم يقوم بوضع حبات الطعمية الممزوجة بقرون الفلفل المقلى داخل قرطاس كبير من ورق الجرائد..

وعند عودتى، أتجه إلى دكان «عم فتحى البقال» ليعطينى الجبن القديم، ثم علبة الطحينة السمراء، وعددًا من الأرغفة، مصحوبة بورقتى الشاى والسكر وعلبة المعسل ماركة الخطاط..

وحال حصولى على تلك المشتريات، وبعد أن أطمئن إلى عدم نقصان أى شىء منها، أضع ذيل مريلتى فى فمى، وأنطلق كالرهوان إلى بيت «الريس حسانين».. الذى أجده فى انتظارى وبجواره زوجته الست زكية بجسدها الفارع وعينيها المنتفختين، وما إن يرانى أدخل بيته كالنحلة حتى تنطلق الضحكات من فمه فتبان أسنانه الشديدة الإصفرار المتآكلة..

كانت الست زكية، رغم بدانتها وقصرها، لا تخلو ملامحها من ملاحة، وكانت ذات صوت عذب رنّان يجعل من يسمعها يطلب منها المزيد.. وبعد سعلات أخرى صادرة عن «الريس حسانين»، وبعد عدة أدعية متكررة على الدخان وشاربيه واليوم الذى صُنع فيه، يقوم بدس أصابعه الطويلة أسفل «الشلتة» التى يجلس عليها ليضع فى يدى «القرش»، فأبدو مزهوًا..

كنت كلما أخذت من «الريس حسانين» قرشًا فأجعله فى يدى اليمنى تارة، وتارة أخرى فى يدى اليسرى، ويظل الأمر هكذا.. لا أعرف لِمَ كان يصدر عنى هذا التصرف.. ربما كان ذلك راجعًا لمحاولة إقناع ذاتى بأننى لست أقل شأنًا من رفاقى الذين يتباهون بتلك القروش التى أسمع رنينها فى جيوبهم بين الحين والآخر.. وربما لإقناع نفسى بأن يومى الآتى سوف لا يضيع هباءً منثورًا حين أقذف بجسدى الصغير داخل دكان «عم ملاك» وأحصل على الكرملة الملائكية.. أقصد كرملة «عم ملاك»..

وكنت فى الأوقات التى أشعر فيها بخواء معدتى أظل راقدًا بجوار الريس حسانين وزوجته الست زكية فى هدوء واستكانة أثناء تناولهما طعام الإفطار.. ألتقط بين الحين والآخر حبة طعمية ألوكها بين أسنانى، أو قطعة من الجبن أقضمها بتحفّظ.. كانت الليلة التى تخلو من ارتباط «الريس حسانين» الطبال وزوجته وفرقته من أى عمل هى أحب الليالى إلى قلبى، إذ أقوم وبصحبتى الصغار بكنس وتنظيف مساحة كبيرة من أرض الإصلاح الواقعة فى آخر حارة «أبو مسلم» التى يقيم بها «الريس حسانين»... ثم نقوم برش الأرض بالماء المعطر بماء الورد..

كنت أضع على حواف تلك الحصر المفروشة بعض الوسائد الصغيرة لزوم جلسة «الفرفشة» أسفل عمود الإنارة ذى الضوء الشديد البياض، حيث تأتى الفرقة الموسيقية تباعًا، فأرى عم صلاح الناياتى وعم سعيد عازف الأكورديون وعم رمضان الدفاف وعم سلامة العوّاد..

كانت مثل تلك الليالى تبدأ دائمًا بموال الصبر الذى كانت تجيده الست زكية كثيرًا، ويصحبها فى أدائه «الريس حسانين» الطبال، الذى كانت تلازمه هزّات متتالية من رأسه المحاطة بعمامة تميل إلى الزرقة بفعل الضوء الشديد الذى يعلو فوق رءوس الجالسين.. فتنطلق دقات طبلته لتعلن على الملأ هندستها البارعة وإيقاعها الجميل..

كانت كل ليلة من هذه الليالى تستمر حتى يتبيّن لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وسط زغاريد النسوة وتصفيق الصغار واستحسان الرجال.

قالت الست زكية وهى تلوك لقمة كبيرة تتناسب مع جسدها البدين وفمها الواسع الكبير:

الله يقلق نومك يا شيخ محمود.

وبعد أن يبتلع الريس حسانين اللقمة التى اتخذت دورها للرحيل داخل فمه يقول:

قلت له ألف مرة.. بلاش الصوت العالى ساعة الأذان.

راحت الست زكية تعدّل من هندام شالها الأزرق الموشّى بحلقات صغيرة ذات لون ذهبى تتدلى من حوافه، وقالت:

لو تيجى له شكة فى زوره اللى عامل زى زور دكر الوز.

صار هذا الحوار اليومى بمثابة المشهد التمثيلى الذى يُعاد أمامى فى كل يوم، حتى وصل بى الأمر إلى أن صارت لدى القدرة الفائقة على أدائه أمام رفاقى فى ساعات الصفاء التى قلما تجمعنا خلال ديمومة نزاعاتنا المستمرة وتحدينا بعضنا البعض فى أمور قد تبدو أمامى الآن ضربًا من ضروب التفاهة.. وكان ذلك يثير ضحكات الصغار التى تملأ الدنيا ضجيجًا وانبساطًا.

إلا أن أحدهم طار إلى الريس حسانين الطبال وزوجته الست زكية يبلغهما نبأ سخريتى منهما أمام جميع الأولاد الصغار.. أثار ذلك حفيظة وغضب الريس حسانين وزوجته منى، وصار ذلك القرش الحبيب يُوضع فى جيب ذلك الفاسق الذى جاءهما بذلك النبأ الملعون..

وكان لعدم استطاعتى أن أحصل كل يوم على قرشى الذى يعطينى إياه الريس حسانين الأثر الكبير فى فتور العلاقة بينى وبين عم ملاك، الذى ظنّ بى سوءًا حينما بدر إلى ذهنه أننى آثرت الشراء من خالتى «ماريا»، التى كانت تجلس بعيدًا عن دكان «عم ملاك» تبيع الحلوى والشوكولاتة والكرملة للصغار الذين أفلتوا من قبضته وسطوة قدرته الفائقة على إقناع زبائنه من التلاميذ بأن ما يوجد بدكانه يصعب عليهم أن يجدوا مثله عند غيره..

واحتدمت الخلافات بهذا الشكل بين «عم ملاك» وخالتى «ماريا»، التى اضطرت أن تقسم له بالإنجيل وبالعذراء أنها لم تبع لى شيئًا، وأنها لم تستفد منى بأى قرش قبل ذلك، واستشهدت بى على ما تقول.. فتتابعت هزّات رأسى مؤيدًا لها فى كل ما قالته، إلا أننى لم أستطع أن أرفع عينى ناحية وجه «عم ملاك» الذى لم يكن يتوقع لحظة واحدة أننى لم أعد أحد تابعيه الأوفياء..

كانت الخلافات قد ازدادت سوءًا واحتدامًا بين «عم ملاك» وخالتى «ماريا»، الأمر الذى جعلنى مجبرًا على أن أوضح لعم ملاك الأمر على وجهه الصحيح..

ورويت له حكاية الريس حسانين وزوجته وما تسبب لى فيه ذلك الولد الشقى الفاسق من قطع باب الرزق «القرش» الذى كان يأتينى من بيت الريس حسانين بصفة يومية.. وأوضحت له أننى أكثر حزنًا منه على عدم قدرتى على الوقوف داخل دكانه، أنتقى ما يروقنى من أنواع الكرملة التى أحبها كثيرًا..

وكيف أننى كل صباح أقف بجوار دكانه ألمح الصغار حين خروجهم وبأيديهم ما تهفو إليه نفسى دون أن تكون لى القدرة على فعل مثل ما يفعلون، إذ تلعق ألسنتهم حلاوة الكرملة.

رأيت الدموع تلمع فى عينى عم ملاك.. شعرت بالدفء حينما احتوانى بين ضلوعه، وراحت أصابعه المرتعشة تداعب خصلات شعرى... ومد يده داخل العلبة لتخرج بحفنة كبيرة من الكرملة، وأوصانى بألا أتأخر صباح كل يوم لأحصل على مثل ما حصلت عليه ذلك اليوم دون أن يأخذ منى شيئًا..

شعرت أمام هذا التصرف بأن «عم ملاك» جدير بأن أبذل ما فى وسعى لخدمته، فصرت أذهب معه لشراء بضاعته من ميدان الساعة، ولم أكتفِ بذلك، بل بذلت مجهودًا كبيرًا فى استقطاب أكبر عدد من رفاق المدرسة لشراء حلواهم من دكانه الصغيرة..

كانت الدموع قد فرّت من عينى عندما تذكرت هذه الأحداث وهذه الشخصيات التى ما زال البعض منها على قيد الحياة..

ولما لمحت الصغيرة الدموع فى عينى قالت بصوت مبحوح:

إنت بتعيط يا بابا؟

قلت لها وأنا أمسح عينى: لا يا حبيبتى.. أنا بس..

طب قول يا بابا..

أقول إيه؟

قول إيه رأيك فى المريلة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق