ترامب بين خيارين.. استئناف الحرب أو استمرار الحصار على إيران

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الخميس 30/أبريل/2026 - 10:11 م 4/30/2026 10:11:19 PM

فى ظل ضبابية المشهد التفاوضى بين إيران والولايات المتحدة، يواجه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خيارًا استراتيجيًا بالغ الخطورة بشأن المواجهة مع إيران، حيث تدور الخيارات حول احتمالية استئناف العمليات العسكرية الشاملة أو الاكتفاء باستمرار الحصار البحرى والضغط الاقتصادى المشدد الذى يهدف إلى إجبار طهران على تقديم تنازلات نووية وإقليمية، خاصة مع تقديم خيارات من كبار القادة العسكريين لترامب حول استئناف الضربات مرة أخرى على إيران.
هذا القرار ليس مجرد مسألة تكتيكية عسكرية، بل يعكس توازنًا معقدًا بين أهداف الأمن القومى الأمريكى، والمصالح الإسرائيلية، والتداعيات الاقتصادية العالمية الناتجة عن اضطراب إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز. 
منذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد ترامب تفعيل سياسة «الضغط الأقصى» التى اعتمدها فى ولايته الأولى، لكن التصعيد بلغ ذروته مع ضربات مشتركة أمريكية إسرائيلية استهدفت البرنامج النووى الإيرانى والقدرات الصاروخية والقوات البحرية، مما أدى إلى وقف إطلاق نار هش بعد وساطة باكستانية وصينية.
جاء هذا التصعيد بعد جولات من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة فشلت فى التوصل إلى اتفاق نووى جديد يحل محل الاتفاق الذى انسحب منه ترامب سابقًا. 
لم يحقق التصعيد العسكرى «النصر الحاسم» الذى توقعه البعض، إذ حافظت إيران على قدرة صمود نسبية رغم الضرر الكبير الذى لحق ببنيتها التحتية العسكرية والنووية.
يُظهر ترامب ميلًا واضحًا نحو استخدام القوة العسكرية كورقة ضغط أساسية. حيث إنه حذر من أن الولايات المتحدة قادرة على «محو» القدرات الإيرانية فى ليلة واحدة، مهددًا بضرب محطات الطاقة والجسور والبنية التحتية الحيوية إذا لم تفتح طهران المضيق بشكل كامل أو توافق على شروط أمريكية صارمة.
يرى ترامب أن استئناف الحرب الشاملة قد يحقق أهدافًا استراتيجية مثل تفكيك البرنامج النووى نهائيًا، وإضعاف النظام الإيرانى بما يكفى لإحداث تغيير داخلى خاصة مع وجود انقسامات داخلية فى إيران بين تيارات إصلاحية ومحافظة، كما يتوافق هذا النهج مع الرغبة الإسرائيلية القوية، حيث يرى بنيامين نتنياهو فى إيران التهديد الوجودى الأكبر.
أسلوب ترامب «الصفقاتى» يجعل التهديد بالحرب أداة لدفع المفاوضات، كما فعل بفرض مهل زمنية متكررة وتحذيرات صارمة مثل «انتهى زمن الرجل اللطيف» أو «سيأتى الجحيم». هذا الخيار يسمح له بتعزيز صورته كقائد قوى أمام قاعدته الانتخابية، مع الحفاظ على التفوق العسكرى الأمريكى فى المنطقة.
مع ذلك، يحمل استئناف الحرب مخاطر استراتيجية واقتصادية هائلة. أولًا، الخسائر البشرية والمادية قد تتصاعد بشكل كارثى، خاصة بعد التهديد الإيرانى بشن ضربات أقوى واحتمال تورط وكلاء إيران فى لبنان واليمن والعراق، مما يوسع الصراع إقليميًا. 
ثانيًا، إغلاق مضيق هرمز أو تعطيله جزئيًا يرفع أسعار النفط عالميًا، مما يؤثر على الاقتصاد الأمريكى والأوروبى والآسيوى، ويغذى التضخم الذى يهدد شعبية ترامب قبل الانتخابات النصفية للكونجرس.
ثالثًا، استنزاف الذخائر الأمريكية فى حرب طويلة قد يضعف قدرة واشنطن على الردع فى مواجهات أخرى، مثل التوتر مع الصين حول تايوان.
كما أن الرأى العام الدولى، بما فى ذلك فى أوروبا والدول العربية، يعارض التصعيد الشامل، مما قد يعزل الولايات المتحدة دبلوماسيًا ويفتح الباب لتدخل روسى أو صينى أكبر دعمًا لإيران.فى المقابل، يبدو خيار استمرار الحصار البحرى والضغط الاقتصادى أكثر جاذبية لترامب كاستراتيجية «ضغط تدريجى» دون تكلفة حرب شاملة. 
بعد وقف إطلاق النار المؤقت فرضت البحرية الأمريكية حصارًا على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، مع السماح بحركة محدودة تحت إشراف دولى. هذا الحصار يهدف إلى خنق الاقتصاد الإيرانى، ومنع إعادة التسلح، وإجبار طهران على قبول شروط مثل إنهاء البرنامج النووى، تقييد الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الجماعات المسلحة، مقابل رفع جزئى للعقوبات. ترامب أمر مساعديه مؤخرًا بالاستعداد لحصار طويل الأمد، معتبرًا أنه يقلل من المخاطر العسكرية المباشرة ويحافظ على الضغط دون خسائر أمريكية كبيرة. كما يسمح له بتقديم نفسه كصانع سلام يفضل «الصفقة الجيدة» على الحرب، مع الاستفادة من الوساطات الباكستانية والعمانية لإحياء المفاوضات مع القيادة الجديدة فى إيران.
ومع ذلك، يواجه استمرار الحصار تحديات كبيرة. من الجانب الإيرانى، يُرى كعدوان اقتصادى يفاقم الأزمة الإنسانية ويغذى التطرف داخليًا، مما قد يدفع النظام إلى ردود فعل غير متوقعة مثل مهاجمة منشآت طاقة خليجية أو تصعيد عبر الوكلاء.
إيران قدمت مقترحات تشمل فتح المضيق مقابل رفع الحصار وتأجيل مناقشة الملف النووى، لكن الإدارة الأمريكية رفضتها لأنها لا تلبى الخطوط الحمراء المتعلقة بالنووى، كما أن الحصار يؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمى، مع ارتفاع أسعار الطاقة ومخاطر اضطرابات فى سلاسل التوريد. 
فى هذا الإطار، قد يؤدى الاستمرار فى الحصار إلى انهيار الهدنة الهشة ودفع الأطراف نحو مواجهة جديدة غير مرغوبة. يبدو أن قرار ترامب النهائى سيتأثر بعوامل متعددة: موقف إسرائيل، قدرة إيران على الصمود الاقتصادى والعسكرى، والتطورات فى الملفات الدولية الأخرى مثل المنافسة مع الصين وروسيا.
ترامب، الذى يفضل «الصفقات الكبيرة»، قد يميل إلى تمديد الحصار مع الحفاظ على التهديد العسكرى كخيار احتياطى، فى محاولة لإجبار طهران على «الاستسلام النووى» دون حرب طويلة الأمد. 
ومع ذلك، إذا رفضت إيران التنازلات الجوهرية، فإن احتمال العودة إلى الضربات الجوية الواسعة يبقى قائمًا، مما يجعل المنطقة على حافة تصعيد جديد قد يغير خريطة الشرق الأوسط لسنوات قادمة. فى النهاية، يظل التوازن بين القوة والدبلوماسية هو المفتاح لأى حل مستدام، لكن الرهانات العالية تجعل أى خطأ حسابى كارثيًا على الجميع.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق