تُوَّفِىَ الدكتور ضياء العوضى - رحمة الله عليه - لكن الظاهرة الملعونة باقية مطردة ومتواصلة ومستمرة، وتزايد خطورتها يفرض على أنصار العقل والعلم الرصد والتحليل والمواجهة طول الوقت، خاصة وأنها ممتدة لسنوات طويلة قبل ظهور «العوضى» ولا ترتبط بشخصه، هو فقط كان محطة «نجمها عالى» وانطفأت سريعًا بالاحتراق الذاتى، هناك آلاف غيره يرتكبون نفس الجريمة كل يوم دون أى رقيب فاعل أو حسيب قادر، وهو ما دفعنى فورًا لقبول اقتراح الصديق العزيز الدكتور خالد منتصر بأن يقوم بتفكيك ظاهرة ضياء العوضى فى كتاب، تمهيدًا لنشره عن دار ريشة للنشر والتوزيع فى أسرع وقت ممكن حتى نطرق على الحديد وهو ساخن.
رحبت دون تفكير باعتبار الكتاب حلقة جديدة ضمن مشروع كبير نعمل عليه فى «ريشة» بصحبة «منتصر» ونقاوم من خلاله اجتهاد طيور الظلام نحو التأسيس لوهم العلم المزيف، وكيف أن الأمور - مع الأسف - تسير بقوة فى اتجاه إحلال «بديل الطب» فى طور جديد لمفهوم الطب البديل، الملف واحد من أهم ملفات التنوير وإعمال العقل، والذى تجتهد «ريشة» فى تعزيز قيمته وإعلاء مكانته فى مجتمع لا يزال يؤمن بالخرافة وينسف جهود العلم، وهو ما ظهر مجددًا وجليًا فى تعاطيه مع ظاهرة ضياء العوضى وتوابع حصاره وشطبه من نقابة الأطباء وموته وحيدًا رهينة أناه العالية ومنهجه المدمر وهواجسه القاتلة، لم يكن الرجل - رحمة الله عليه - فى لقاءاته وفيديوهاته المصورة متزنًا بأى حال من الأحوال، انفعالاته حادة ولغة جسده عدائية وأحادية نظرته إقصائية لأبعد الحدود، كلها استهانة وتحقير بلا مبرر، والمفترض فى صاحب الحجة سمات الاحترام والهدوء والحكمة والتواصل الفعال.
صحيح أنه - رحمة الله عليه - خريج كلية الطب جامعة عين شمس بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف، واختار التخصص فى الرعاية المركزة والتخدير وعلاج الألم، وتدرج فى السلك الأكاديمى حتى عمل مدرسًا بقسم التخدير والرعاية المركزة وعلاج الألم إلى أن أُنهيت خدمته عام 2023 بقرار مجلس الكلية دون التصريح بالأسباب علنًا امتثالًا للأعراف الأكاديمية، لكن التغذية العلاجية فى النهاية علم، مؤهله الدراسى بالأساس بكالريوس الطب والجراحة، إلا أنه وثيق الصلة بتخصصى الأمراض الباطنة والطب الوقائى، ومرجعية التخصص العلمية الأولى فى شهاداته المتخصصة فى مصر المعهد القومى للتغذية، وهو معهد حكومى صحى أُنشئ عام 1955 ويتبع الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية منذ سنة 1975، والتى تخضع بدورها إلى وزارة الصحة والسكان، وأُختير المعهد مركزًا معاونًا لمنظمة الصحة العالمية للأبحاث والتدريب فى مجال التغذية عام 1992، ويعادل مؤهلاته المتخصصة فى الخارج مؤهلات علمية أوروبية وأمريكية فى نفس التخصص، التغذية العلاجية.
حدث تطور كبير فى تطبيقات علم التغذية العلاجية بمصر منذ عام 2010 عاصرتها عن قرب من واقع عملى فى قطاع الرعاية الصحية لأكثر من ثلاثة عقود الآن، حيث يظهر دوره جليًا فاعلًا داخل المستشفيات ضمن فريق العلاج الطبى لمرضى محجوزين بالمستشفيات أوضاعهم الصحية تفرض التغذية الوريدية - حقن السوائل عن طريق الأوردة - أو يأكلون بشكل طبيعى عن طريق الفم لكن وفقًا لاشتراطات تغذية علاجية توافق حالاتهم الصحية، وكل هذا بناءً على تقييم طبى أولى وقت دخول المرضى المستشفى ومتابعات دورية طوال مدة الإقامة تواكب تحسن مؤشرات حالة المرضى أو هبوطها أو عدم استقرارها، وعلى الناحية الأخرى يلعب علم التغذية العلاجية دورًا وقائيًا مؤثرًا لعلاج السمنة والنحافة للأصحاء بدون أى تدخلات جراحية، ولكن بناءً أيضًا على التقييم الطبى الأولى والمتابعات الدورية للمترددين على العيادات والمراكز الطبية المتخصصة فى هذا العلم.
فإذا ما رصدنا تطور علم التغذية العلاجية فى مصر طوال أكثر من 15 عامًا مضت، فلا يمكن تناول الأمر بعيدًا عما أصاب المجتمع المصرى بالكامل من انفلات فى كافة الاتجاهات انعكاسًا لثورة يناير 2011 وتوابعها، وباعتبار خصوصيته المرتبطة بالوعى والإدراك والسلوك وتحديدًا بشأن العادات اليومية المتصلة بدورها بالصحة العامة من أكل وشرب وتدخين وسهر ونوم وخلافه، وكل هذا أصابه ما أصابه نتيجة تطور أنماط الحياة الاستهلاكية التجارية فى مقابل انحدار منظومة القيم وعلى رأسها قيم العلم والمعرفة والعقل والمنطق، والأوضاع هكذا، كان لا بد وأن تصيب ثلاثية الفهلوة والتشويش والتشويه علم التغذية العلاجية كما أصابت غيره فى مختلف المجالات، فوجدنا الدخلاء يقتحمون تباعًا هذا التخصص الحرج المرتبط مباشرة بكفاءة الصحة العامة للإنسان، حتى أصبح كل من هب ودب يعلق لافتة أو يبدر حملة إعلانية على الطرق أو الشاشات أو السوشيال ميديا يتحدث ويوصى وينصح كأنه عالم بعدما زين لافتاته بألقاب علمية براقة بينما فى حقيقتها مزيفة، فلا أحد من المهتمين يبحث أو يتحقق بينما الجهات الرقابية غائبة تمامًا عن المشهد!
نتج عن هذا كله خلل طافح بعمق فى العقل الجمعى المصرى، هجين فكرى سرطانى خلطته شئ من الطب مع شئ من الدين مع أشياء من الغيبيات وفوق جملتها طرح من نظرية المؤامرات الكونية على هوى القطيع، والخلطة تلعب دائمًا وبمهارة على جهل نفسية هشة دنيا ودين سهل سقوطها ضحية لكل تاجر نصاب يأسر الروح بسحر كلام عبثى ليس إلا وحيًا شيطانيًا يذهب بعقول الناس قبل إفلاس جيوبهم، بينما أرصدة النصابين الدجالين ترتفع تلالًا فى البنوك يومًا بعد يوم، فيأتى علينا وقت نعيش فيه همًا فوق همومنا لا يبشرنا إلا بأن الطريق لا يزال طويلًا وعرًا تحوطه عصابات من قطاع طرق العقل والمنطق قبل أن نفلح فى إعادة صياغة الشخصية المصرية المضطربة روحًا وعقلًا طوال سنوات طويلة ماضية، الظاهرة تنمو وتتعاظم ولم يكن ضياء العوضى - رحمة الله عليه - إلا نقطة تحول كارثية خلَّفَت أتباعًا ومريدين حتمًا أصبحوا بيئة خصبة لظهور آلاف غيره مع الأسف.
أما عن ظهور النخبة الكاشف المأزوم بالمشهد فحدث ولا حرج!















0 تعليق