كشف تقرير حديث صادر عن منظمة The Sentry عن أن تحرك السودان نحو تعويم مُدار للعملة يمثل خطوة مهمة في مواجهة اقتصاد السوق السوداء، لكنه يظل محفوفًا بالمخاطر إذا لم يُدعّم بإصلاحات هيكلية شاملة.
وأوضح التقرير أن الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية كانت لسنوات مدخلًا واسعًا للفساد، حيث استغلت شبكات مالية هذه الفوارق لتحقيق أرباح غير مشروعة، ما أدى إلى استنزاف موارد الدولة وإضعاف قدرتها على التحكم في اقتصادها.
وبحسب ما أورده التقرير، فإن قرار تعويم الجنيه السوداني في فبراير 2021 جاء في محاولة لمواءمة سعر الصرف وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، خاصة في ظل ديون تتجاوز 60 مليار دولار. إلا أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، تسببت في ضغوط معيشية إضافية على المواطنين نتيجة الارتفاع الحاد في الأسعار، في وقت يعاني فيه السودان من أحد أعلى معدلات التضخم عالميًا.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة الانتقالية لا تسيطر فعليًا إلا على نسبة محدودة من الموارد العامة، في ظل استمرار ممارسات مالية خارج الموازنة داخل بعض المؤسسات.
ونقل التقرير عن الباحث سليمان بلدو أن التعويم، رغم ضرورته، لا يكفي وحده لتحقيق التعافي الاقتصادي، بل يجب أن يتبعه إنهاء الممارسات القديمة التي سمحت للمؤسسات المملوكة للدولة بالاحتفاظ بإيراداتها خارج الإطار الرسمي.
كما شدد جون برندرغاست على أن نجاح هذه الخطوة مرهون بمواجهة إرث الفساد المرتبط بفترة حكم عمر البشير، والذي لا يزال يؤثر على بنية الاقتصاد.
ويبرز التقرير أن الخطر الحقيقي يكمن في أن يؤدي التعويم دون إصلاحات موازية إلى إعادة إنتاج نفس شبكات الفساد، خاصة في قطاعات حساسة مثل الذهب والنفط.
كما أن استمرار التهرب الضريبي وضعف الرقابة المالية قد يقوض أي مكاسب محتملة، ويحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية وتحقيق التنمية.
وفي هذا السياق، أوصى التقرير بحزمة من الإجراءات، أبرزها تشديد الرقابة على المؤسسات المملوكة للدولة، وتطبيق نظام الخزانة الموحد لضمان شفافية الإيرادات، إلى جانب مكافحة غسل الأموال والتدفقات المالية غير المشروعة.
ودعا إلى تعزيز دور البنوك في التدقيق على المعاملات المالية، خاصة تلك المرتبطة بالصادرات، لضمان الامتثال للقوانين ومنع استغلال النظام المالي.
ويخلص التقرير إلى أن السودان يقف أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء اقتصاده، لكن نجاح هذه الفرصة يتوقف على الإرادة السياسية في تفكيك منظومة الفساد، وتطبيق إصلاحات عميقة تضمن الشفافية والاستدامة، بما ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين.














0 تعليق