في لحظات قاسية من آلام والحزن، حين تتلقى أسرة بسوهاج خبرًا مفجعًا بأن أحد أحبائهم وفلذة كبدها قد غرق في مياه النيل أو أحد الترع، تتوقف الكلمات، ويبدأ انتظار ثقيل لا يُحتمل على حافة النهر أو الترعة، لا يكون الأمل في انتظار النجاة، بل في العثور واستعادة الجثمان، ليكونوا في وداع أخير ومكان معلوم يدفنون فيه يخفف وطأة الفقد.
وسط هذا المشهد الإنساني المؤلم، تظهر فرق الإنقاذ النهري كطوق النجاة الوحيد بجانب غواصي الخير، ليس لإنقاذ الأرواح هذه المرة، بل لإنقاذ قلوب أنهكها الانتظار واتشحت بالسواد من الحزن، وهي تنادي باسمه: "اطلع يا ابني.. أنت فين يا حبيبي؟".
أيام من البحث… وأمل لا ينطفئ
خلال الأيام الماضية، شهدت محافظة سوهاج عددًا من حوادث الغرق المأساوية، كان أبرزها غرق مسنة وحفيديها في ترعة الشرانية التابعة لمركز المراغة، عقب عودتها من رحلة لتلقي العلاج في البر المقابل لبلدتهم بمدينة طهطا، مأساة هزت القلوب، ودفعت فرق الإنقاذ النهري إلى سباقٍ مع الزمن للبحث عن جثث أطفال صغار جرفتهم الأمواج بعيدًا.
لم تكن المهمة سهلة أبدًا، أكثر من عشرة أيام متواصلة، وفريق من الغواصين يواجه تيارات المياه والطمي الكثيف وتقلبات الطقس، في محاولة للوصول إلى جثمان الطفلين، لم يتوقفوا ولم ينسحبوا رغم صعوبة الظروف، كانوا يدركون أن هناك أسرة قلبها مكلوم من الحزن تنتظر وتنتظر نهاية هذا الكابوس بخروج جثث طفليها.
بين الطين والمياه… رجال لا يعرفون المستحيل
وكما أوضح حمادة دقة، أحد غواصي الخير، أن الغوص في مياه النيل أو الترع ليس كما يبدو، فالرؤية تكاد تكون معدومة، والقاع مليء بالمخلفات والحشائش التي تعيق الحركة، ومع ذلك ينزل رجال الإنقاذ إلى الأعماق مدفوعين بإحساس إنساني قبل أي واجب وظيفي، دون انتظار أي مقابل مادي، وإنما الهدف محاولة جادة لإيجاد الجثث وتسليمها لذويها.
لا تقتصر جهودهم على حالة واحدة، فخلال اليومين الماضيين فقط، تعاملوا مع حوادث غرق لسيدة، والطفلة "سلسبيل" التي سقطت خلال رحلة تنزه مع والدتها، وفي كل مرة يعيدون المشهد ذاته: بحث مستمر، صبر طويل، وإصرار على الوصول.
المهمة الإنسانية… بلا مقابل
ما يميز هذه الفرق سواء كانوا من شرطة الإنقاذ النهري أو من متطوعين، ليس فقط شجاعتهم، بل إنسانيتهم، فهم يواصلون العمل ليلًا ونهارًا دون أن يتكلف أهالي الضحايا أي مقابل مادي، بالنسبة لهم، المهمة أكبر من أي حسابات مالية، بل إنها رسالة إنسانية.
لحظة الوداع… حين يتحول الحزن إلى راحة
قد يبدو غريبًا، لكن وسط الحزن تولد لحظة من الراحة في قلوب ذوي الضحايا، حين يُعثر على الجثمان تنهمر دموع الأهالي، ليست فقط دموع الفقد، بل دموع الامتنان والفرح أحيانًا، لأنهم استطاعوا أخيرًا وداع أحبائهم ودفنهم في مكان معلوم وزيارتهم متى شاءوا.
يقول عم أحمد، والد أحد الضحايا: "كنا تايهين… مش عارفين نعمل إيه. بس لما لقيناه، حسينا إن قلبنا ارتاح شوية برغم من فراق أحب الناس لقلبي، لكن كان كل هدفي إني ألاقي الولد وأدفنه بإيدي جنب أبويا وأمي، وكل شوية أروح أزوره."
أبطال في الظل
ومع ذلك هم ليسوا على الشاشات، ولا تتصدر أسماؤهم العناوين، لكنهم حاضرون دائمًا في أصعب اللحظات وأقسى المواقف، رجال الإنقاذ النهري في سوهاج يكتبون كل يوم قصصًا من التضحية والصبر، ويمنحون الأمل في أكثر الأوقات ظلمة.
في النهاية، قد لا يستطيعون إعادة الحياة، لكنهم يعيدون شيئًا لا يقل أهمية: الطمأنينة.
اقرأ أيضًا:
بعد عقر 12 شخصًا.. تحصين 17 كلبًا بمنطقتي عمر أفندي وميدان الشبان بسوهاج

















0 تعليق