سلطت صحيفة “الجارديان” البريطانية الضوء على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن وجود صراعات داخلية في النظام الإيراني، مشيرة إلى أن هذه الرواية لا تبدو منسجمة مع ما يراه عدد من الخبراء على الأرض، الذين يؤكدون أن إيران تبدو أكثر تماسكًا حول استراتيجية نابعة من واقع الحرب.
وذكرت الصحيفة، أن ترامب زعم أن الانقسام بين المعتدلين والمتشددين داخل القيادة الإيرانية وصل إلى درجة أن الإيرانيين “لا يعرفون من يقودهم”، غير أن محللين شككوا في هذا الطرح، معتبرين أن ما جرى من استهداف واغتيالات لقيادات بارزة لم يؤدِ إلى تفكك مؤسسي، بل أظهر قدرًا من الاستمرارية والتماسك داخل بنية الدولة.
محاولة تفسير تعثر المفاوضات
وأشارت “الجارديان” إلى أن تكرار حديث ترامب عن “انقسامات عميقة” داخل القيادة الإيرانية خلال فترة قصيرة يعكس، وفق بعض التقديرات، محاولة لتفسير تعثر مسار المفاوضات، خاصة في ظل وجود مطالب وشروط متباينة تطرحها أطراف مختلفة داخل النظام الإيراني، سواء عبر قنوات مباشرة أو وسطاء إقليميين.
وذكرت الصحيفة، أن بعض المراقبين يرون أن هذه الإشارات قد تعكس إدراكًا أمريكيًا لتحول مراكز القوة داخل إيران، واحتمال تراجع الدور الدبلوماسي التقليدي لصالح نفوذ أكبر للتيارات العسكرية داخل مؤسسات القرار.
وفي المقابل، نقل التقرير عن باحثين وأكاديميين اتهامات لترامب بشن ما وصفوه بـ”حرب معرفية” تهدف إلى خلق انطباع بوجود شلل في منظومة القرار الإيراني، عبر تضخيم صورة الانقسام الداخلي.
وأشار الباحث علي أنصاري، إلى أن إيران، حتى في حال عدم وجود فراغ قيادي كامل، تمر بمرحلة انتقالية معقدة، لافتًا إلى أن مسألة ترسيخ السلطة بعد تغييرات في القيادة العليا لا تزال غير محسومة بشكل نهائي.
ومن جانبه، قال علي ألفونه، الباحث البارز في معهد دول الخليج العربية، إن إيران كانت تتجه نحو قيادة أكثر جماعية في العامين الأخيرين من حياة علي خامنئي.
وأضاف ألفونه: "كان يتقدم في السن، ولم يعد راغبًا في تحمل مسؤولية الإجراءات غير الشعبية أو تلك التي لا يستطيع تبريرها دينيًا، مثل عدم فرض الحجاب".
وينفي حسن أحمديان، الأستاذ المشارك في دراسات غرب آسيا بجامعة طهران، وجود أي انقسامات في القيادة الإيرانية.
وأضاف: "النظام السياسي الإيراني نظام مؤسسي للغاية، هل يمكنك تسمية نظام آخر تم اغتيال قيادته العليا، ومع ذلك استطاع الاستمرار، بل وشن حرب انتقامية ضد الولايات المتحدة واسرائيل، لا أرى أي نظير تاريخي لهذا النظام.
وأضاف: "لكل مؤسسة في إيران مؤسسة موازية، وهذا ما يجعل تحمل الصدمات أسهل".
وقال إن إيران توحدت حول استراتيجية جديدة انبثقت من الحرب، تركز على استخدام النفوذ الذي يوفره مضيق هرمز لمواجهة ضغوط ترامب.
وأضاف: "المضيق هو المفتاح اذا تم التوصل إلى اتفاق عادل، فسنحصل على تخفيف للعقوبات وتعويضات، وفي المقابل ستستعين إيران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية [هيئة التفتيش النووي التابعة للأمم المتحدة] وستعمل على تخفيف تركيز اليورانيوم عالي التخصيب".
وقال أحمديان، إن مزاعم ترامب بوجود قيادة منقسمة هي شكل من أشكال الحرب النفسية، وجادل بأن كبار القادة اتفقوا على نطاق واسع على رفض التفاوض حتى تنهي الولايات المتحدة حصارها على موانئ ايران.
وتابع أن تلك السياسة استمدت قوتها من كونها قد تم صياغتها من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي المكون من 13 عضوًا، وهو الهيئة الحاكمة التي جمعت، أكثر بكثير من الحكومة السياسية، جميع القوى داخل إيران: القضائية والسياسية والعسكرية والاستخباراتية.
نمط القيادة الجماعية في إيران
وذكرت أيضًا أن بعض الباحثين في شؤون الخليج يرون أن إيران كانت تتجه في السنوات الأخيرة نحو نمط من القيادة الجماعية، مع تزايد حساسية القرارات الكبرى وتوزيعها بين مؤسسات متعددة، بما في ذلك الأجهزة الدينية والعسكرية والأمنية.
وأشار التقرير، إلى أن هذا التوزيع في مراكز القرار ساهم في تعزيز قدرة النظام على امتصاص الصدمات، خصوصًا في ظل استمرار الحرب وتعدد الضغوط الخارجية.
وذكرت “الجارديان” أن هذا التماسك، يرتبط بتبلور استراتيجية جديدة داخل إيران خلال الحرب، تقوم على استخدام أوراق القوة المتاحة، وفي مقدمتها موقعها الاستراتيجي في مضيق هرمز، كأداة ضغط في مواجهة العقوبات الأمريكية.
وأشارت إلى أن هذه الاستراتيجية تتضمن أيضًا ربط أي اتفاق محتمل برفع العقوبات وتقديم تعويضات، مقابل تعاون في الملف النووي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع التأكيد على أن إيران ستحتفظ بحق الرد في حال انتهاك أي التزامات.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن الجدل حول طبيعة القيادة الإيرانية لا يزال مفتوحًا، بين من يرى أنها منقسمة وتحت ضغط الحرب، ومن يرى أنها أكثر تماسكًا مما تبدو عليه، وأنها أعادت تشكيل استراتيجيتها بما يتناسب مع واقع الصراع القائم.














0 تعليق