كيف أهلكت إسرائيل الجسم الصحي اللبناني؟ قصة صمود المستشفيات في زمن الحرب

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
على وقع سريان الهدنة، بدأت المستشفيات اللبنانية تستعيد أنفاسها رويدا رويدا، عقب جولة قتال "دامية" شنّتها إسرائيل على لبنان، حيث أهلكت قدرة المستشفيات، واستنزفتها إلى حد كبير، هذا عدا عن الاستهدافات التي تعرضت لها عشرات المراكز الطبية، المستشفيات، فرق الاغاثة، والصليب الاحمر، إذ كانت الفاتورة قاسية في خضم عدد من الاستهدافات التي طالت الفرق الاسعافية، سواء على صعيد خسائر الصليب الاحمر، أو الهيئات الاخرى.
 
في أروقة وزارة الصحة، الهدوء الظاهر لا يعكس حقيقة ما يجري خلف الكواليس. فمنذ بداية التصعيد الأخير في آذار الماضي، والمنظومة الصحية تعمل بأقصى طاقتها الاستيعابية.
 
الأرقام الرسمية تشير إلى أن نصف الإصابات التي استقبلتها المستشفيات مرت عبر أقسام الطوارئ، بينما احتاجت نسبة 43 في المئة منها إلى دخول المستشفى بشكل كامل، و7 في المئة إلى عناية مركزة. هذه النسبة الأخيرة تحديداً هي التي تكسر ظهر أي نظام صحي، لأن أسرة العناية الفائقة نادرة وغالية الثمن، ولا تحتمل الزيادة المطولة في عدد المرضى.
 
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في نقص الأسرة، بل في من يملؤها.
 
تقول البيانات إن الأطفال والنساء يشكل كل منهم عشرة في المئة من إجمالي الإصابات. هذا الرقم وإن بدا بسيطاً في سياق الحروب، إلا أنه يعني شيئاً واحداً مرعباً: أقسام الأطفال وأقسام حديثي الولادة باتت تحت ضغط لا تحسد عليه.
 
أحد المصادر الطبية في بيروت قال لـ"لبنان24": "المشكلة أننا فقدنا القدرة على التوسع. كنا في السابق ننقل الحالات الحرجة من الجنوب إلى العاصمة، أما اليوم فالمستشفيات في بيروت وصيدا مكدسة، بتنا نرسل مرضى إلى الشمال.. تخيل أن يقطع مولود حديث الولادة كل هذه المسافة بحثاً عن سرير".
 
هذا الكلام تدعمه الأرقام الميدانية التي رصدت انخفاضاً حاداً في عدد الأطفال الذين يراجعون "أقسام الخداج"في بيروت وصيدا، مقابل ارتفاع ملحوظ في الشمال، حيث انتقلت العائلات بحثاً عن الأمان.
 
وفي موازاة ذلك، سجلت المستشفيات ظاهرة غريبة، رصدها "لبنان24" خلال الحرب، ألا وهي أطفال يراجعون من دون أوراق ثبوتية، في محاولة من ذويهم لإدخالهم تحت مظلة التغطية الصحية التي توفرها وزارة الصحة، بعدما ضاعت الأوراق أو احترقت أو تركت خلفهم في قرى لم يعد يسمح لهم بدخولها.
 
ما يجعل الصورة قاتمة أكثر هو أن بعض مستشفيات الجنوب أقفلت أبوابها قسراً، ليس بسبب نقص الكوادر أو المعدات، بل لأن القصف جعل الاستمرار فيها ضرباً من الانتحار. أما تلك التي بقيت مفتوحة، فهي تعمل بما يشبه المعجزة اليومية، بإرادة لا توصف من فرق طبية تعرف أن عطلتها قد تكلف مريضاً حياته. هم يعملون ويسمعون دوي القذائف، يعالجون جرحى القصف وهم يعرفون أنهم قد يكونون في قائمة الاستهداف التالية.
 
وهنا لا بد من التوقف عند حادثة ميفدون التي هزت الوسط الطبي قبل أيام قليلة فقط من سريان الهدنة. هناك، في بلدة جنوبية، تحول مشهد الإسعاف إلى فخ مميت. روى شهود من الطواقم الطبية كيف أن سيارتي إسعاف استُهدفتا بصاروخين متتاليين، وحين وصلت سيارتا إسعاف أخريان لنجدة زملائهما، جاءتهما الضربة الثالثة بعد أقل من ست دقائق من وصولهما. أحد المسعفين الناجين وصف المشهد لاحقاً بأنه لم يكن ساحة حرب، بل كان مصيدة تم نصبها بإتقان لمن يحاول إنقاذ الجرحى. قتل أربعة مسعفين في تلك الغارة، بينهم الشاب مهدي أبو زيد الذي لم يتجاوز الثلاثين، وأصيب ستة آخرون بجروح. وعندما انسحب الفريق الرابع الذي أتى لاحقاً بالناجين، كانوا يسيرون فوق دماء زملائهم وبقايا سيارات الإسعاف الممزقة.
 
هذه الحادثة ليست الوحيدة، بل هي جزء من سلسلة طويلة من الاستهدافات الموثقة.
 
منذ اندلاع هذه الجولة من القتال، سجلت منظومة رصد الهجمات على المرافق الصحية 92 اعتداءً، أودت بحياة 53 عاملاً في القطاع الصحي وجرحت 137 آخرين. هذه الأرقام لا تنقل الرعب الذي بات يعتري أي مسعف أو ممرض وهو يقود سيارته باتجاه الجريح، فالثقة بالغطاء الإنساني الواقي تبخرت، وحل محلها خوف مركب، من جهة خوف المريض من الذهاب إلى المستشفى لأنه قد يصبح هدفاً، وخوف الطبيب من جهة ثانية من فتح عيادته لأنه قد يفقد حياته فيها.
 
في النبطية، وقف زملاء الشهداء المسعفين أمام السيارات الثلاث المدمّرة التي لا تزال تحمل بقع الدماء وآثار الشظايا، وقرروا سحب إحداها إلى الساحة العامة. لم يفعلوا ذلك حداداً أو مناورة سياسية، بل كما قال أحد المنسقين هناك: "بدنا هالسيارة تحكي. تحكي للعالم إنو نحنا هون مش عسكر، نحنا عم ننقذ ناس. بدنا ياها تشهد شو صار بحقنا".
 
أما على صعيد الدعم الخارجي، فالصورة ليست وردية كما يأمل البعض.
 
تلقت وزارة الصحة مساعدات من دول وجهات مانحة، لكنها تأتي بوتيرة أبطأ بكثير مما حدث في جولات سابقة. من هنا، تقول مصادر وزارة الصحة لـ"لبنان24": "العالم مشغول. إيران وأميركا يملآن المشهد، وإسرائيل تدخل بقوة في اللعبة الإقليمية، ونحن في لبنان صرنا تفصيلاً صغيراً في خبر عاجل". والنتيجة أن الحكومة تواجه مأزقاً مزدوجاً: احتياجات تتفاقم بشكل جنوني مع كل موجة نزوح جديدة، وموارد تتقلص مع تراجع الإقليم والعالم عن دعم الملف اللبناني.
 
ومع ذلك، في أقبية المستشفيات وأقسام الطوارئ المكتظة، هناك نبض آخر لا يهدأ. نبض أطباء يواصلون العمل لأنهم ببساطة يعرفون أنهم خط الدفاع الأخير. ينهض القطاع الصحي في لبنان على أكتافهم، لا على جدران المستشفيات التي هدمها القصف أو أثقلتها الديون.
 
في المحصلة، منحت الهدنة المستشفيات فسحة ضرورية، لكنها لم تمحُ الخسائر ولم تعالج الاختلال العميق الذي أصاب القطاع.
 
ما بعد وقف النار ليس عودة إلى الوضع الطبيعي، بل بداية مرحلة ترميم طويلة، تبدأ من حماية الطواقم والمنشآت، ولا تنتهي عند تأمين التمويل والدواء وإعادة وصل ما انقطع بين المريض والمرفق الصحي.
 
وفي بلد عاش حرباً ثقيلة على الناس وعلى مؤسساته، يبدو واضحاً أن المستشفيات لم تخرج من المعركة بعد، بل انتقلت فقط من تحت النار إلى تحت عبء النجاة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق