في ذكرى عيد تحرير سيناء 2026، لا تُروى الحكاية عند خطوط المواجهة العسكرية فقط، فخلف هذه الخطوط، كانت هناك جبهة أخرى لا تقل شراسة وتأثيرًا، قادتها المرأة السيناوية بصمت وإصرار، حيث هناك “في عمق الصحراء”، لم تكن المرأة شاهدًا على التاريخ، بل صانعة له، تنسج خيوط المقاومة اليومية في ظل الاحتلال، وتحوّل تفاصيل الحياة البسيطة إلى أدوات نضال.
مجتمع يتحول إلى شبكة مقاومة
خلال سنوات الاحتلال، لم تكن المواجهة حكرًا على السلاح، بل امتدت إلى المجتمع بأكمله، حيث تحولت البيوت إلى مراكز إيواء ونقاط اتصال ومستشفيات ميدانية، وفي قلب هذا المشهد، لعبت المرأة السيناوية دورا محوريا، إذ تولّت مهام الرعاية والتنظيم ونقل الدعم، في وقت تراجع فيه الحضور المؤسسي للدولة، ما يوضح أن دورها لم يكن تقليديا، بل اتخذ طابعًا استراتيجيا قائما على المعرفة بطبيعة الأرض والقدرة على التمويه وبناء شبكات اجتماعية آمنة، جعلت من المجتمع السيناوي منظومة مقاومة متكاملة.
الاستخبارات الشعبية.. حين تصبح المعلومة سلاحًا
ومن أخطر المهام التي تولتها نساء سيناء كانت جمع المعلومات ورصد تحركات العدو، وذلك من خلال قوة الملاحظة والتنقل الطبيعي في البيئة المحيطة، حيث استطعن تتبع خطوط الإمداد ومواقع التمركز، ونقل هذه البيانات عبر قنوات سرية إلى عناصر المقاومة، فهذا الدور لم يكن عفويا، بل تطلّب وعيا ميدانيا وقدرة على التحليل، وأسهم في توفير معلومات دعمت التخطيط للعمليات العسكرية لاحقًا.
بنات البادية.. حارسات الأرض في الخفاء
كانت فتيات البادية يقمن بمهام بالغة الدقة، مثل محو آثار الأقدام أو تغيير مسارات الرعي لإخفاء تحركات المقاتلين، وهو مشهد يبدو بسيطا ظاهريا، لكن هذا التفاعل اليومي مع طبيعة الصحراء منحهن قدرة فريدة على حماية خطوط الإمداد غير المرئية، وجعل من البيئة نفسها أداة دفاع.
البيت السيناوي.. مؤسسة بديلة للدولة
لم تتوقف أدوار المرأة عند دعم الأفراد، بل امتدت لحماية “ذاكرة الدولة” نفسها، فقد احتضنت البيوت وثائق حكومية، وأجهزة لاسلكية، ومحتويات مؤسسات تعليمية وصحية، في محاولة للحفاظ على الكيان الإداري إلى حين عودة السيادة المصرية، وبهذا المعنى، لم تكن المنازل مجرد ملاذ، بل تحولت إلى مخازن سيادية تحفظ استمرارية الدولة في غيابها.
التعليم.. جبهة مقاومة ناعمة
وفي مواجهة محاولات طمس الهوية، أصبح التعليم أداة مقاومة، حيث لعبت المعلمات والأمهات دورا محوريا في ترسيخ الانتماء لدى الأجيال الجديدة، بينما شارك الطلاب ومن بينهم فتيات، في فك رموز الرسائل الإذاعية ونقل المعلومات، ليتحول التعلم بذلك من رفاهية إلى وسيلة للحفاظ على الوعي الجمعي ومواجهة الحرب النفسية.
بطولات فردية.. حكايات من قلب الخطر
وسط هذه الصورة الجماعية، تبرز نماذج إنسانية تجسد روح التحدي، من بينها المجاهدة عزيزة جمعة عواد، إحدى سيدات جنوب سيناء، ففي سن لم تتجاوز الخامسة عشرة، بدأت رحلتها في نقل الرسائل بين البدو والقوات المسلحة، متحدية نقاط التفتيش والمخاطر اليومية، حتى أنها في إحدى المرات أخفت رسالة داخل فمها أثناء تفتيش مفاجئ، مستفيدة من العادات الاجتماعية التي حالت دون تفتيشها بدقة لتنجح في إيصالها.
ولم تتوقف عند ذلك فقط، بل واصلت مهامها رغم المخاطر حتى في رحلات بحرية كادت تودي بحياتها، فقصتها ليست استثناء، بل نموذج يعكس ما كانت عليه بيوت سيناء، حيث تحولت العائلة بأكملها إلى خلية نضال رجالا ونساء.
المرأة السيناوية.. من المقاومة إلى البناء
اليوم، وبعد عقود من التحرير، يتواصل دور المرأة السيناوية في مشهد مختلف، حيث تشارك في مسارات التنمية والتعليم والعمل المجتمعي، مستفيدة من خبرة تاريخية صنعتها في أصعب الظروف.
وفي ذكرى تحرير سيناء، تتجدد الحاجة إلى قراءة هذه الصفحات الخفية من التاريخ، حيث لم تكن البطولة دائمًا في ساحات القتال، بل في تفاصيل الحياة اليومية التي صاغتها نساء مجهولات، فقد أثبتت المرأة السيناوية أن المقاومة ليست فقط مواجهة مباشرة، بل قدرة على الصمود والحفاظ على الهوية وصناعة الأمل في أحلك اللحظات، حيث تبقى هذه القصص شاهدة على أن خلف كل انتصار حكايات صامتة صنعت الفارق.

















0 تعليق