سيناء.. فلسفة الدولة من «الحدود» إلى «الوجود»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى تاريخ الأمم، ثمة جغرافيا تظل معلقة بين منزلتين؛ «إما أن تكون «عبئًا» يُرهق الدولة فى حمايته، أو «ذخرًا» يُعزز من هيبتها». وكانت سيناء –عبر عقود– هى ذلك الاختبار الصعب للسيادة المصرية؛ هل نكتفى بالسيطرة على الخارطة، أم نملك القدرة على تطويع التضاريس لتصبح جزءًا من النسيج الحيوى للدولة؟!

السيادة، بمفهومها الحديث، ليست مجرد «راية» تُرفع على الحدود، بل هى «حياة» تدب فى الأرض؛ فالدول التى تترك فراغات فى جغرافيتها، إنما تمنح الآخرين دعوة مفتوحة لملء هذا الفراغ.

ومن هنا، تبرز قيمة التحول الاستراتيجى الذى تقوده الدولة المصرية اليوم؛ وهو الانتقال من «تأمين المساحة» إلى «صناعة المجال».

ولم يكن حديثى هنا من قبيل القراءة عن بُعد، بل هو نتاج رؤيةٍ بالعين ولمسٍ باليد؛ فقد زرت سيناء، ووقفتُ وسط رمالها التى تحتضن مزيجًا نادرًا من الصمود والعزة.. هناك، رأيت «عظيم العجب» فى لوحةٍ ربانية تتجاوز حدود الوصف؛ سيناء تتحدث عن نفسها، بجمال وطبيعة لا يكتفيان بكونهما «خلابين»، بل هما شاهدان على أرضٍ تأبى الانكسار وتزداد شموخًا بمرور الزمن.

إن ما شهدته سيناء فى السنوات الأخيرة لم يكن حزمة مشروعات إنمائية بالمعنى التقليدى، بل كان عملية «هندسة سياسية» شاملة؛ لقد استبدلت الدولة المصرية منطق «التحصين العسكرى» الصرف، بتركيبة معقدة تدمج الأمن بالتنمية، والربط الجغرافى بالثقل الديموغرافى.

والهدف هنا واضح للغاية أن يصبح بقاء الدولة فى سيناء «قدرًا» غير قابل للمراجعة، لا «خيارًا» مرتبطًا بظرف أمنى عابر.

فى صلب هذا المسار، كانت رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسى هى «قوة الدفع» التى حسمت عقودًا من التردد، ووضع سيناء فى قلب الأجندة الوطنية كان يعنى شيئًا واحدًا: «أن مصر قررت أخيرًا أن تُنهى حالة الاغتراب بين الوادى وسيناء»، وأن تجعل من «القناة» جسرًا للاتصال لا حاجزًا للفصل.

الأنفاق التى عبرت تحت القناة، وشبكات الطرق التى اخترقت الجبال، ومحطات المياه التى أحيت الموات؛ كل هذه ليست مجرد أرقام فى موازنة الدولة، بل هى «شرايين سيادية»؛ فالأرض التى يرتوى زرعها، وتتحرك فيها التجارة، ويسكنها البشر، هى أرض «عصية على الاختراق» بنيويًا.

لقد تحولت سيناء من أرض «نُدافع عنها من الخارج»، إلى أرض «تحمى نفسها من الداخل» بكتلتها البشرية والاقتصادية.

وعلى الرغم من وضوح الحقيقة على الأرض، إلا أن «آلات التشكيك» لم تتوقف؛ حاول البعض حصر المنجز فى زوايا ضيقة، أو ضرب الجدوى الاقتصادية لمشروعات كبرى.

لكن هؤلاء يتناسون قاعدة تاريخية ثابتة وهى أن «صناعة الجغرافيا» لا تخضع لحسابات الربح والخسارة السريعة، بل تُقاس بمدى قدرة الدولة على البقاء والنمو فى بيئة إقليمية مضطربة.

لقد انتقلت سيناء من «هامش» الخريطة إلى «قلب» الدولة.

ولم يعد السؤال هو: كيف نحمى سيناء؟ بل أصبح الجواب: سيناء هى التى تحمى عمق الدولة بمناعتها الجديدة، وبجمالها الذى يبعث الأمل، وصمودها الذى يسطر المجد.

هذه هى قصة الدولة التى تعرف ماذا تفعل، وتعرف أين تضع أقدامها فى رمال التاريخ.. لتصنع من البقاء واقعًا، ومن السيادة حياة.

حفظ الله مصر.. أرضًا وشعبًا وجيشًا

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق