تزخر مصر بكنوز ثقافية وفنية متنوعة، تمتد عبر عصورها المختلفة، وتمثل متاحفها نافذة حقيقية على تاريخها وهويتها، ومن هنا تأتي أهمية إطلاق سلسلة أسبوعية لتسليط الضوء على متاحف مصر، كل حلقة منها تعرض متحفًا مختلفًا، للتعريف بالمقتنيات الفنية والتاريخية التي تحتضنها هذه الصروح، ولفتح باب الوعي الثقافي أمام الجمهور، خاصة الطلاب والشباب.
تأتي المبادرة ضمن برنامج وزارة الثقافة تحت عنوان "فرحانين بالمتحف الكبير.. ولسه متاحف مصر كتير"، والذي أطلقته الوزارة في إطار مبادرة "عزة الهوية المصرية"، ويهدف لتعريف الجمهور بمقتنيات المتاحف المصرية المتنوعة، وغرس قيم احترام التراث والحفاظ على الهوية الوطنية.
متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية.. ذاكرة الفن الحديث وروح المتوسط
في قلب مدينة الإسكندرية، وتحديدًا بمنطقة محرم بك، يقف متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية شاهدًا على تاريخ طويل من الإبداع الفني، كأحد أقدم وأهم المتاحف المتخصصة في الفنون الجميلة في مصر والشرق الأوسط، بل وأول متحف أنشئ خصيصًا لهذا الغرض في المنطقة.
تعكس مدارس فنية متعددة.. مقتنيات متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية
يضم المتحف مجموعة ثرية من الأعمال الفنية التي توثق مسيرة الفن التشكيلي، حيث تتنوع مقتنياته بين أعمال رواد الفن المصري، ولوحات تنتمي إلى المدارس الأوروبية مثل الرومانسية والباروك والروكوكو، إلى جانب أعمال المستشرقين التي ترصد ملامح الشرق بعين غربية.
كما يحتوي المتحف على مجموعة من أعمال الحفر والطباعة، إلى جانب منحوتات لعدد من كبار المثالين، في مقدمتهم الفنان محمود مختار، فضلًا عن أعمال لفنانين مصريين وأوروبيين، ما يجعله ملتقى فنيًا يعكس تنوع التجارب والثقافات.
دور ثقافي وتنويري في المجتمع
لا يقتصر دور المتحف على عرض الأعمال الفنية فقط، بل يمتد ليكون مركزًا ثقافيًا نشطًا يسهم في تنمية الذوق الفني لدى الجمهور، من خلال تنظيم ورش فنية وبرامج للتربية المتحفية للأطفال، إضافة إلى استضافة معارض لكبار الفنانين، وفتح المجال أمام شباب المبدعين لعرض أعمالهم.
كما يشهد المتحف أنشطة للتبادل الثقافي الدولي، ما يعزز من حضوره كمؤسسة ثقافية فاعلة تربط بين الفن المصري ونظيره العالمي.
حكاية البداية.. من مجموعة فنية إلى صرح متكامل
تعود جذور المتحف إلى عام 1904، عندما قبلت بلدية الإسكندرية مجموعة من اللوحات أهداها محب الفنون الألماني إدوارد فريد هايم، والتي ضمت نحو 210 أعمال فنية لفنانين أجانب، مشترطًا إنشاء مكان مخصص لعرضها، وإلا تعود إلى موطنه في ألمانيا لعرضها في متحف متحف دوسلدورف.
وفي عام 1936، أهدى البارون فليكس دي منشا فيلته بحي محرم بك لتكون نواة لمتحف ومكتبة فنية، غير أن اندلاع الحرب العالمية الثانية حال دون استكمال المشروع، بعد تعرض المبنى لأضرار، ما اضطر البلدية إلى تخزين الأعمال الفنية مؤقتًا.
من حلم إلى واقع.. افتتاح رسمي في عهد الثورة
في عام 1949، كلف المهندس فؤاد عبد المجيد بتصميم وبناء المتحف على أحدث طراز، ليضم قاعات عرض ومكتبة فنية ومركزًا ثقافيًا متكاملًا، وافتُتح المتحف رسميًا في 26 يوليو 1954، بالتزامن مع الاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو 1952، ليبدأ بعدها دوره كمنصة رئيسية للفن التشكيلي.
وفي العام التالي، شهد المتحف انطلاق أولى دورات بينالي الإسكندرية لدول حوض البحر المتوسط، الذي يُعد من أقدم البيناليات عالميًا بعد بينالي فينيسيا، ولا يزال يحتضنه حتى اليوم.
تطوير مستمر ومواكبة للعصر
شهد المتحف مرحلة تطوير شاملة انتهت بإعادة افتتاحه في يناير 2013، حيث أضيفت مبانٍ جديدة للورش الفنية والاستضافة، إلى جانب إنشاء متحف للخط العربي، وتخصيص قاعة للعروض المؤقتة تحمل اسم الفنان السكندري حامد عويس.
مجموعات فنية بثلاثة روافد رئيسية
تنقسم مقتنيات المتحف إلى ثلاث مجموعات أساسية؛ الأولى تضم مجموعة إدوارد فريد هايم، وهي النواة الأولى للمتحف، أما المجموعة الثانية، فتشمل لوحات المستشرقين التي أهداها محمد محمود خليل، والتي تتميز بطابعها الكلاسيكي المتناغم مع طبيعة المتحف.
فيما تتكون المجموعة الثالثة من إهداءات متحف الفن المصري الحديث بالقاهرة، إلى جانب تبرعات فردية من فنانين مصريين وأجانب، ما ساهم في إثراء المحتوى الفني للمتحف عبر العقود.


















0 تعليق