الأربعاء 22/أبريل/2026 - 11:01 ص 4/22/2026 11:01:05 AM
الأسماء ليست مجرد لافتات تُعلّق على جدران الشوارع، ولا هي حروف جامدة يتم كتابتها على خرائط المدن، الأسماء ذاكرة، والذاكرة موقف، والموقف في لحظات التوتر السياسي يتحول إلى سلاح ناعم، لا يقل تأثيرًا عن ضجيج المدافع. من هنا يمكن قراءة ظاهرة تبدو في ظاهرها هامشية، لكنها في حقيقتها تعكس عمقًا سياسيًا ونفسيًا بالغ الحساسية، ألا وهي ظاهرة “المكايدة الرمزية” عبر تغيير أسماء الشوارع والميادين.
حين أطلقت إيران اسم خالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس الراحل محمد أنور السادات، على أحد شوارعها الرئيسية، لم يكن الأمر مجرد اختيار عابر، كان رسالة سياسية مكتملة الأركان، تُقرأ في سياق خلافات ممتدة، ولا يمكن فهمها إلا باعتبارها استفزازًا محسوبًا، لم تكن القاهرة بحاجة إلى تفسير طويل لتدرك أن المسألة تتجاوز التسمية إلى إعادة صياغة الذاكرة على نحو يجرح ولا ينسى، ومنذ تلك اللحظة، بقيت هذه الواقعة كأنها حجر صغير أُلقي في ماء العلاقات، فظلّت دوائره تتسع، حتى اليوم.
واليوم، يعود المشهد بصيغة مختلفة، ولكن بذات الروح، قرار إزالة اسم الفريق عبد المنعم رياض - أحد أبرز رموز العسكرية المصرية - من أحد شوارع مدينة حمص السورية، واستبداله باسم “18 نيسان”، ليس مجرد إجراء إداري، هو تعبير عن إعادة ترتيب الرموز، وإعادة تعريف الأولويات، وربما إعادة كتابة التاريخ وفق زاوية نظر جديدة، أو وفق رغبة في القطع مع إرث سابق.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لماذا تتحول مصر، برمزيتها وتاريخها، إلى هدف دائم لمثل هذه الإشارات الرمزية؟ ولماذا يبدو أن البعض يختار أن يخوض معاركه مع القاهرة عبر لافتات الشوارع، لا عبر طاولات الحوار؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تبدأ من حقيقة لا يمكن إنكارها وهي أن مصر ليست دولة عادية في الوعي العربي، هي مركز ثقل، تاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا، حين تتحرك، يُحسب لحركتها حساب، وحين تصمت يُقرأ صمتها بعمق، لذلك فإن التعامل معها لا يكون عاديًا، البعض يسعى إلى الندية عبر التصعيد، والبعض يحاول إثبات الذات عبر كسر الرموز، والبعض الآخر يختار طريق “المكايدة” كبديل عن المواجهة المباشرة.
تغيير أسماء الشوارع في هذا السياق ليس مجرد تفصيل، بل هو محاولة لإعادة تعريف العلاقة، هو إعلان ضمني بأن "الرمز الذي كنتم تعتبرونه مهمًا، لم يعد كذلك بالنسبة لنا" وهذه في حد ذاتها رسالة قاسية، لأنها تمس الوجدان قبل أن تمس السياسة.
لكن، هل تنجح هذه المكايدات في تحقيق أهدافها؟ على المدى القصير، ربما تمنح صانع القرار شعورًا بالإنجاز، أو تُرضي جمهورًا داخليًا يبحث عن إشارات قوة، لكنها على المدى الطويل تخلق فجوات أعمق، وتُراكم مشاعر سلبية يصعب تجاوزها، لأن الذاكرة، بخلاف السياسة، لا تُدار بقرارات سريعة، ولا تُمحى بطلاء جديد على لافتة قديمة.
وفي المقابل، تبدو مصر وكأنها تختار طريقًا مختلفًا لأنها تدرك أن وزنها الحقيقي لا يُقاس بردود الأفعال، مصر بحكم موقعها وتاريخها، اعتادت أن تنظر إلى محيطها بعين أوسع، حتى في لحظات الاختلاف، قد تغضب، وقد تحتج، لكنها نادرًا ما تنجر إلى لعبة الرموز الصغيرة.
هذه ليست مثالية، بل استراتيجية، فالدول الكبرى لا تُعرّف نفسها عبر ما يفعله الآخرون بها، بل عبر ما تختار أن تفعله هي، ومصر رغم كل ما تواجهه من تحديات، ما زالت تُصر على أن تكون "الأم الكبيرة" بالمعنى السياسي الذي يوازن بين الكرامة والحكمة.
ومع ذلك، فإن الصمت ليس دائمًا فضيلة، فحين تتكرر الإشارات السلبية، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل إلى متى تستمر هذه التجاوزات الرمزية دون رد يتناسب مع حجمها؟ وهل الاكتفاء بتجاهلها يمنحها فرصة أكبر للتمدد؟
ربما يكون الحل ليس في الرد بالمثل، لأن ذلك يعني الانزلاق إلى نفس المستوى، بل في إعادة تأكيد الرواية المصرية، وتعزيز حضور الرموز الوطنية في الوعي العربي بشكل أعمق، فالأسماء التي تُمحى من لافتة، يمكن أن تُعاد كتابتها في وجدان أمة كاملة، إذا وُجدت الإرادة لذلك.




















0 تعليق