تتباين أساليب ومناهج قراءة الواقع الميداني للمعارك الدائرة في السودان بين القوات المسلحة وميليشيا الدعم السريع، لكنها تقترب من الواقع عندما يقدمها خبير استراتيجي له خبرة واسعة في العمليات العسكرية والأمنية، وشارك في نحو ستين معركة، من بينها معارك في "حرب الكرامة" الأخيرة.
في هذا الحوار مع جريدة الدستور، يستعرض العميد الدكتور جمال الشهيد الخبير الاستراتيجي السوداني الوضع العسكري والأمني بعد ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
ويتناول الحوار تقييم مسار العمليات العسكرية، تأثير التدخلات الإقليمية والدولية، دور الدعم الشعبي، بالإضافة إلى السيناريوهات المستقبلية، سواء للحسم العسكري أو الجهود الإنسانية لفتح ممرات آمنة للمدنيين والمناطق المحاصرة.
كيف بدأ الوضع الأمني والعملياتي في السودان منذ اندلاع الحرب؟
إذا أردنا فهم ما جرى في 15 أبريل 2023، فلا بد من العودة إلى ما قبل ذلك، تحديدًا إلى مرحلة الترتيبات السياسية التي أعقبت الحراك الداخلي في السودان. في تلك الفترة، كان هناك نوع من الشراكة بين القوى السياسية والقوات المسلحة، وضمن هذا الإطار كانت ميليشيا الدعم السريع جزءًا من المعادلة.
هذه الشراكة لم تكن مستقرة بالكامل، إذ ظهرت خلافات جوهرية حول طبيعة المرحلة الانتقالية، وصلاحيات كل طرف، وآليات دمج القوات. ومع تصاعد هذه الخلافات، وصلت الأمور إلى نقطة حرجة، خاصة عندما تحولت التباينات السياسية إلى توترات أمنية.
عند هذه اللحظة، بادرت ميليشيا الدعم السريع بشن هجمات مباشرة على مواقع القوات المسلحة، بما في ذلك استهداف منزل القائد العام، وهو ما شكّل نقطة الانفجار الحقيقية للوضع.
كيف انطلقت شرارة الحرب وتحولت إلى صراع شامل؟
البداية كانت خلافًا سياسيًا، لكن سرعان ما تحولت إلى مواجهة عسكرية مفتوحة في العاصمة الخرطوم. لم تقتصر الاشتباكات على موقع واحد، بل امتدت بسرعة إلى قواعد عسكرية في مناطق مختلفة مثل مروي وكردفان.
ومع تصاعد العمليات، اتجهت ميليشيا الدعم السريع إلى محاصرة مواقع استراتيجية، من بينها القيادة العامة للقوات المسلحة، وهو ما اعتُبر تمردًا واضحًا على الدولة.
منذ تلك اللحظة، لم تعد الحرب مجرد صراع بين قوتين عسكريتين، بل تحولت إلى حرب شاملة أثرت بشكل مباشر على المدنيين، حيث انتقلت المعارك إلى داخل الأحياء السكنية والمرافق الحيوية مثل المستشفيات، ما أدى إلى تعقيد المشهد وتحويله إلى أزمة متعددة الأبعاد.
ما حجم التأثير الذي خلفته الحرب على البنية التحتية والسكان؟
التأثير كان واسع النطاق ومؤلمًا للغاية. الحديث هنا ليس فقط عن تدمير منشآت أو طرق، بل عن انهيار جزئي للبنية التحتية في عدة مناطق.
كما أن النزوح كان من أبرز النتائج، حيث تشير التقديرات إلى نزوح نحو 13 مليون سوداني، سواء داخل البلاد أو خارجها، وربما يكون الرقم الحقيقي أكبر. ومع مرور الوقت، لم تعد الحرب محصورة في الخرطوم، بل امتدت إلى ولايات مثل الجزيرة وسنار والنيل الأزرق، وهو ما زاد من تعقيد الوضع الإنساني والاقتصادي.
كيف تعاملت القوات المسلحة مع هذا التمرد على الأرض؟
القوات المسلحة لم تتعامل مع الوضع برد فعل تقليدي، بل أعادت تطوير استراتيجياتها العسكرية بشكل ملحوظ. اعتمدت على إعادة الانتشار، وتحسين إدارة المعارك، والعمل على فك الحصار عن مواقع حيوية.
ومع الوقت، بدأت تحقق تقدمًا ميدانيًا مهمًا، حيث تمكنت من استعادة مناطق استراتيجية مثل جبل موية وسنجة ومدينة مدني، إضافة إلى التقدم في محاور أخرى باتجاه النيل الأبيض وأجزاء من الخرطوم. هذه التحركات ساهمت في تغيير ميزان القوى تدريجيًا.
ما طبيعة الانتهاكات التي ارتكبت خلال الحرب؟
الانتهاكات كانت خطيرة للغاية، ويمكن تصنيفها ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. شملت هذه الانتهاكات القتل خارج القانون، والاعتداءات على المدنيين، وعمليات الاغتصاب، إلى جانب نهب الممتلكات العامة والخاصة وتدمير البنية التحتية. هذه الأفعال لم تكن معزولة، بل أثرت بشكل مباشر على المجتمع، وأسهمت في تغيير طبيعة الحرب من مواجهة عسكرية إلى أزمة إنسانية شاملة.
كيف تقيّم الدعم الشعبي للقوات المسلحة خلال هذه الحرب؟
الدعم الشعبي كان عاملًا حاسمًا في مسار الحرب. في البداية، كان هناك نوع من الترقب، لكن مع تصاعد الانتهاكات، بدأ المواطن السوداني يرى في القوات المسلحة الجهة الوحيدة القادرة على حمايته.
هذا التحول انعكس في أشكال متعددة من الدعم، ليس فقط معنويًا، بل أيضًا عبر الانخراط الفعلي في معسكرات التدريب والتطوع للدفاع عن البلاد.
كما أن السودانيين في الخارج لعبوا دورًا مهمًا من خلال الدعم المالي. في العلوم العسكرية، السند الشعبي يمثل عنصرًا حاسمًا، لأنه يرفع الروح المعنوية للمقاتلين ويمنحهم دافعًا إضافيًا للاستمرار.
كيف أثرت العوامل الإقليمية والدولية على مسار الحرب؟
السودان بحكم موقعه الجغرافي، خاصة إطلالته على البحر الأحمر، يمثل نقطة اهتمام كبيرة للقوى الدولية. هذا الموقع جعله جزءًا من صراع نفوذ أوسع، سواء لأسباب اقتصادية أو عسكرية. إلى جانب ذلك، فإن الحدود المفتوحة مع دول الجوار مثل ليبيا وتشاد وجنوب السودان ساهمت في تعقيد الوضع، حيث سهلت مرور السلاح والإمدادات. لذلك، لا يمكن النظر إلى الحرب باعتبارها أزمة داخلية فقط، بل هي جزء من تفاعلات إقليمية ودولية أوسع.
كيف تقيم الأداء العسكري للقوات المسلحة في مواجهة الدعم السريع؟
رغم حجم التحديات والدعم الخارجي الذي تلقته الميليشيا، استطاعت القوات المسلحة أن تضعف قدراتها بشكل كبير. الميليشيا التي كانت تعتمد في البداية على أعداد كبيرة من المقاتلين والآليات، أصبحت الآن تعتمد بشكل متزايد على عناصر أجنبية، وهو مؤشر واضح على تراجعها. في المقابل، اعتمدت القوات المسلحة على استراتيجية الاستنزاف التدريجي، التي بدأت تؤتي ثمارها على الأرض.
كيف كان موقف المجتمع الدولي من الأزمة؟
الموقف الدولي يمكن وصفه بأنه دون مستوى التحدي. معظم التحركات اقتصرت على بيانات سياسية، دون اتخاذ خطوات عملية حاسمة. ورغم فرض بعض العقوبات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أنها لم تكن كافية لتغيير مسار الصراع أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. كما أن هناك ترددًا واضحًا بسبب تعقيدات المصالح الدولية في السودان.
كيف ترى مستقبل الصراع في السودان؟
المعطيات الحالية تشير إلى تراجع قدرات الميليشيا، وهو ما قد يقود في النهاية إلى حسم عسكري، خاصة مع استمرار الضغط من قبل القوات المسلحة لكن في الوقت نفسه، هناك مخاطر حقيقية من اتساع رقعة الصراع، سواء داخل السودان أو إلى دول الجوار.
لذلك، فإن المستقبل يعتمد على كيفية إدارة المرحلة المقبلة، سواء عسكريًا أو سياسيًا.
ما الذي تحتاجه المنطقة لتجنب تكرار مثل هذه الأزمات؟
المطلوب هو إعادة النظر في منظومة الأمن القومي العربي بشكل شامل. هناك حاجة إلى تنسيق أكبر بين الدول العربية، وبناء تحالفات إقليمية قادرة على مواجهة التحديات المشتركة. كما أن تقليل التدخلات الخارجية وتعزيز التعاون الإقليمي سيكونان عنصرين أساسيين لضمان الاستقرار ومنع تكرار مثل هذه الصراعات.














0 تعليق