إدمون تويما.. الوجه الذى أحبّ التفاصيل أكثر من الأضواء

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كان إدمون تويما من تلك الوجوه التى لا تحتاج إلى صخبٍ لتُرى، ولا إلى ضوء مباشر لتُفهم. يجىء حضوره كما لو أنّه يُعاد من زمن آخر، زمن يفضّل فيه الفنّان أن يكون أمينًا على روحه قبل أن يكون ظاهرًا فى المشهد. فى ملامحه شىء من الاتزان الذى لا يختلط بالبرودة، وشىء من الرهافة التى لا تستدرّ التعاطف، بل تمنح الشخصية طبقة أخرى من العمق.

لم يكن ممثلًا يكتفى بأن يُجيد الدور، بل كان يذهب إلى ما خلف الكلمات. يلتقط التفصيلة التي تمرّ عادة بلا انتباه، فيصنع منها نقطة ارتكاز لقراءة كاملة. حركة إصبع، التفاتة قصيرة، انحناءة رأس… كلّها كانت أدوات يستخدمها وكأنها جزء من موسيقى المشهد، لا إضافات تحاول شدّ العين. كان يرى أنّ الشخصية تُبنى من الداخل إلى الخارج، وأن التفاصيل الصغيرة، تلك التى يظنّها البعض زوائد، هى أساس الروح.

على الخشبة أو أمام الكاميرا، لم يكن يجرّ الضوء نحوه، بل يترك للضوء أن يأتى إذا شاء. فهمه للحضور لم يكن قائمًا على المساحة، بل على التأثير. كان يعرف كيف يمشى فى المشهد بثبات هادئ، كأن خطواته مطبوعة على ورق قبل أن تُطبع على أرض المسرح. وإذا انسحب، انسحب بأناقة من يعرف أنّ مهمّته ليست إثبات الوجود، بل إكمال المعنى.

امتلك ذائقة خاصة فى التعامل مع النص. لم يكن يتعامل مع الجملة كشىء يُقال، بل ككائن يجب الإصغاء إليه قبل إطلاقه. يفتّش عن النبرة المناسبة، عن الوقفة التى تُهيّئ للمعنى، عن المسافة بين كلمتين كى لا تَفرّ الفكرة من يد المتلقى. كان مترجمًا بالمعنى العميق للكلمة: يفتح النصّ ويعيد تركيبه، يحوّله من حروف إلى إحساس، ومن إحساس إلى مشهد.

وهناك شىء آخر كان يميّزه: علاقة صحيّة مع نفسه. لم يدخل الفن ليكون نجمًا، بل ليكون صانعًا لشىء يشعر أنه ينتمى إليه. لا يلهث خلف حضور أكبر، ولا يتشبّث بدور أصغر. لديه القدرة على أن يكون فى المنتصف من دون أن يفقد قيمته، وعلى أن يكون على الطرف من دون أن يصبح هامشيًّا. كان يقدّر الدور كما هو، لا كما ينبغى أن يكون فى نظر الآخرين.

ربما لهذا السبب، بقى اسمه حاضرًا من دون ضجيج. ليس من تلك الأسماء التي تُطلق فى الهواء ثم تختفى، بل من الأسماء التى تستقرّ فى الذاكرة ببطء، كما يستقرّ صدى خفيف في غرفة لا تسمعها إلا حين تصمت.
إدمون تويما بقى لأنّه كان أمينًا على التفاصيل.. ولأنّ التفاصيل، حين تتقنها، تصبح أكبر من الأضواء.
الإعلامية مايا إبراهيم

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق