على مدى عقود، اعتمدت دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولا سيما مصر، على إمدادات غذائية مستقرة من منطقة البحر الأسود. وقد شكّلت كلٌّ من أوكرانيا وروسيا تقليديًا ركيزتين أساسيتين في تزويد المنطقة بالحبوب وغيرها من المنتجات الزراعية؛ وبالنسبة لمصر، بوصفها واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم، لا تقتصر أهمية هذا التعاون على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليكتسب طابعًا استراتيجيًا في ضمان الأمن الغذائي الوطني.
من هنا، شكّل اندلاع الحرب الروسية الشاملة ضد أوكرانيا عام 2022 نقطة تحوّل مفصلية، لم تؤثر فقط في أمن أوروبا، بل زعزعت أيضًا استقرار الإمدادات الغذائية في نطاق أوسع، فقد تعطّلت سلاسل الإمداد، وأُغلقت المسارات البحرية، واهتزّت الأسواق العالمية.
وسط هذه التحديات، تحدث سفير أوكرانيا في القاهرة السيد\ ميكولا ناهورني لـ "الدستور": حول الشراكة بين مصر وأوكرانيا في مجال الحبوب، وعن الموثوقية بين البلدين في ظل عدم الاستقرار الدولي.
شراكات متكاملة
رغم ظروف الحرب المستمرة وانسحاب روسيا الأحادي من “مبادرة حبوب البحر الأسود” في يوليو 2023، أظهرت أوكرانيا قدرة ملحوظة على التكيّف والوفاء بالتزاماتها الدولية في مجال الحبوب.
وفي هذا السياق علق سفير أوكرانيا في القاهرة السيد "ميكولا ناهورني" لـ "الدستور" إنه من خلال تطوير مسارات لوجستية بديلة وتفعيل ممرات بحرية، واصلت تزويد الأسواق العالمية، بما في ذلك مصر، بإمدادات مستقرة وقانونية من الحبوب"، مضيفًا إنه في الوقت ذاته، تبقى أوكرانيا منفتحة على توسيع التعاون التجاري في المجال الزراعي بمفهومه الشامل، بما يشمل تبادل الخبرات في تربية المواشي والدواجن وتحديث القطاع الزراعي، ولا يقتصر هذا التوجه على تصدير المنتجات، بل يتعداه إلى بناء شراكات متكاملة تستهدف تحقيق الأمن الغذائي على المدى الطويل.
وكانت أوكرانيا قد طرحت مبادرة إنشاء مركز غذائي في مصر كحل استراتيجي يضمن استمرارية الإمدادات والاستجابة السريعة للأزمات الإنسانية في المنطقة، بما يعزز دور مصر كبوابة رئيسية للأسواق الإفريقية.
وحول استمرار روسيا كأحد مورّدي الحبوب، فإنها تلجأ بشكل متزايد إلى آليات غير شفافة، من بينها ما يُعرف بـ“الأسطول الظلّي”، علق "ناهورني" لـ "الدستور": أن روسيا تستخدم "الأسطول الظلي لتصدير الحبوب المنهوبة من الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتًا. ولا يُعدّ ذلك انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي فحسب، بل يُقوّض أيضًا الثقة في الأسواق ويخلق مخاطر حقيقية للمستوردين".
أوضح "ناهورني" أنه توجد فروقًا واضحًا بين استراتيجية أوكرانيا وروسيا فيما يخص الحبوب، حيث تعرض أوكرانيا على دول المنطقة التعاون في مجالات أخرى، لا سيما في البعد الأمني. وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال زيارات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دول الخليج والمشرق، والتي جاءت في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بإيران. وأسفرت هذه اللقاءات عن توقيع اتفاقيات بين الدول، وتقديم خبرات استشارية حول حماية المدنيين من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تنظيم المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز، مستفيدة من الخبرة الأوكرانية في تأمين الملاحة البحرية في ظل التهديدات العسكرية في البحر الأسود".
بؤرة توتر
بينما ظهرت توترات مختلفة مرتبطة بروسيا في المنطقة، إذ تجاوز الأمر الحرب على أوكرانيا بل يمتد إلى انتقادات متصاعدة من حكومات إفريقية وعربية بسبب تجنيد مواطنيها بطرق غير قانونية للقتال كـ"وقود للحرب".
وحول عدم موسكو لإيران والتطوران في المنطقة، أشار سفير أوكرانيا في القاهرة لـ "الدستور": " أن دعم موسكو المتزايد لإيران، من خلال تزويدها ببيانات استخباراتية وتقنيات عسكرية وأنظمة طائرات مسيّرة، مع استخدام هذه المعلومات في استهداف البنية التحتية المدنية والحيوية في دول الخليج، يعني مشاركة روسية في التوترات في المنطقة، وهو ما يضاف إلى توترات أخرى محسوبة على روسيا تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط ودول الساحل الإفريقي".
واستطرد سفير أوكرانيا في القاهرة لـ "الدستور": "المقاربة القائمة على التصعيد والضغط تُشكّل اليوم قاسمًا مشتركًا بين موسكو وطهران، وبصرف النظر عن تقييم مواقف الولايات المتحدة وإسرائيل، يبقى واضحًا أن إيران ما كانت لتُقدم على خطوات بهذا القدر من المخاطرة لولا الدعم الروسي المباشر أو غير المباشر، وهو ما يخلق تهديدًا لا يقتصر على منطقة الخليج والشرق الأوسط، بل يمتد ليشمل الأمن العالمي، لا سيما في أبعاده الاقتصادية والطاقة والتكنولوجيا، وبدون حل سياسي واضح، ستظل استراتيجية روسيا وإيران تؤثر على الاستقرار العالمي، مما يخلق أيضًا اتجاهات خطيرة تقوّض الثقة والأمن على المدى البعيد".
في نهاية المطاف، لايمكن فصل السياسة عن الاقتصاد، وبالتالي فإن قضايا الأمن الغذائي تتداخل مع الاستقرار السياسي، كما أن مسألة اختيار الشركاء لم تعد فقط مسألة اقتصادية وحسب، بل أصبح خيارًا بين الموثوقية والمخاطر، بين احترام القواعد وانتهاكها، بين الاستقرار والأزمات المتكررة، وبين السلام العادل والمستدام وبين دوامة الحروب والصراعات المستمرة.















0 تعليق