طاولة واشنطن تحت لهيب الجنوب.. هل فاوض لبنان في أضعف لحظاته؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لا شكّ أنّ انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن يُعَدّ حدثًا استثنائيًا بكل المقاييس، بما يحمله من بعد تاريخي لا يمكن التقليل من شأنه، ولكن أيضًا لما قد يكن له من تبعات محتملة على أكثر من مستوى في ظل الانقسام الراهن. فالدخول في مفاوضات مباشرة للمرة الأولى منذ عقود لا يقتصر على كسر محظور سياسي قديم، لم يكن أحد يخال أنه سيُكسَر، وإنما يفتح الباب أمام مسارات غير مسبوقة في تاريخ الصراع.

 

وإذا كان هذا المسار المستجد لم يكن قبل أشهر قليلة احتمالاً واردًا، فإنّ الواضح أنّ الظروف هي التي دفعت باتجاهه، فهو وُلد في قلب حرب مفتوحة لا ترحم، وتحت وطأة ضغوط عسكرية وسياسية خانقة. ولذلك، كان طبيعيًا أن تتباين القراءات حول هذا المشهد، بين من رأى فيه خرقًا طال انتظاره لجدار الجمود، ومن نظر إليه بوصفه اضطرارًا فرضته وقائع الميدان القاسية، بعدما تقلصت هوامش الحركة أمام بيروت إلى حد بعيد، ومن حذّر من كونه تنازلاً مجانيًا خطيرًا.

 

لكن، بعيدًا عن رمزية الصورة، التي يقال إنّها قد تكون "الهدف الأول" للولايات المتحدة وإسرائيل من كلّ ما جرى، يبقى السؤال الجوهري حول ما حمله كل طرف إلى هذه الطاولة، فالمفاوضات ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية واضحة. ومن هنا، لا يُقاس معناها بحجم اللقاء أو مكان انعقاده، بل بقدرة الطرف اللبناني على حماية أولوياته وثوابته في واحدة من أكثر اللحظات غموضًا وحساسية في تاريخ الحرب الراهنة.

 

كسر المحظور السياسي

 

صحيح أنّ الذهاب إلى تفاوض مباشر يكسر محظورًا ظل قائمًا لسنوات طويلة، وهو تحول لا يجوز التقليل من أهميته في ميزان السياسة، وإن تباينت الآراء بشأنه، وسط مخاوف من أن يؤدي إلى مزيد من الاحتقان في الشارع، خصوصًا بعد موقف "حزب الله" الرافض. غير أنّ كسر هذا المحظور لا يعني بالضرورة تحقيق مكسب صافٍ للبنان، لأن المعيار الفعلي لأي تفاوض يكمن في الشروط التي يبدأ منها، وفي ما إذا كان قادرًا على انتزاع مكاسب فعلية تترجم استقرارًا على الأرض.

 

وفي الحالة اللبنانية الراهنة تحديدًا، تبدو المفارقة واضحة وقاسية في آن. فبينما ذهبت بيروت إلى واشنطن وعينها على وقف عاجل لإطلاق النار، من باب رفض مبدأ "التفاوض تحت النار"، ذهبت تل أبيب وهي تواصل ضغطها العسكري، وتطرح سقفًا تفاوضيًا يتجاوز الأولويات اللبنانية المباشرة. وهذا الاختلال يكشف أن الجلسة لم تبدأ من أرضية متوازنة، فثمّة طرف يسعى إلى وقف النزيف، وفي مقابله طرف آخر يصرّ على مواصلة التصعيد لفرض وقائع جديدة.

 

وهذا ما يفرض قراءة باردة لما جرى، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والمبالغات السريعة. فالتفاوض الذي ينطلق في ظل اختلال واضح في موازين الميدان يختلف جذريًا عن تفاوض يولد بعد تثبيت التهدئة أو استعادة قدر من التوازن. والخطر هنا أن يتحول التفاوض نفسه من مساحة لحماية السيادة والمصلحة اللبنانية إلى ساحة يُدفع فيها الطرف الأضعف إلى الاكتفاء بالدفاع عن الحد الأدنى، في ظل غياب ضمانات دولية كافية وواضحة.

 

ما هو الثمن السياسي؟

 

من هنا، يبدو أنّ المعضلة الأعمق أن الجلسة لم تنطلق من العنوان الذي يشكل أولوية قصوى للبنان، أي وقف العدوان فورًا. وعلى العكس، دفع المناخ العام للنقاش سريعًا نحو مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول الأثمان السياسية التي قد تُطرح على لبنان في المرحلة المقبلة. فعندما تُفتح ملفات السلاح، والأمن، وشكل الدولة، فيما الغارات مستمرة، والمجازر لا تتوقف، يكون النقاش قد انتقل مبكرًا إلى منطقة شديدة الحساسية والتعقيد.

 

هذا التحول يضع الدولة أمام اختبار بالغ القسوة، لأنه لا يتصل فقط بإدارة تفاوض تقني، بل بهوية القرار الوطني نفسه وحدود الحركة المتاحة له. فالدخول في بحث يتناول ترتيبات أمنية وسياسية بعيدة المدى، فيما النازحون يفترشون المدارس والساحات والبلد يرزح تحت النار، يجعل من الصعب التعامل مع الجلسة بوصفها خطوة إجرائية بسيطة. على العكس، تبدو البلاد أمام بداية مسار ثقيل، قد يتحول إلى مدخل لفرض شروط سياسية تتجاوز بكثير الواقع الحالي.

 

من هنا، فإذا كان دقيقًا الحديث عن "بعد تاريخي" لما جرى، من حيث الشكل والرمزية على الأقل، فإنّ المضمون لا يبرر اندفاعة تفاؤلية مبكرة. فلبنان لم يدخل هذه الطاولة بعدما فرض أولوياته أو انتزع وقف النار، وإنما دخلها وهو يرزح تحت ضغوط عسكرية ومعيشية ونفسية هائلة، ما يجعل القدرة على التفاوض بأعصاب باردة وبأوراق متماسكة مسألة شديدة الصعوبة في ظل ميزان قوى مختل بوضوح، من دون تجاهل نقمة شريحة واسعة من الناس رأت في صورة العلمين جنبًا إلى جنب استفزازًا سياسيًا ومعنويًا.

 

في المحصلة، لا يبدو ما حصل في واشنطن إنجازًا جاهزًا للقطف، بقدر ما يبدو بداية مخاض عسير ومسارًا مفتوحًا على احتمالات شديدة الحساسية، باعتبار أنّ لبنان انتقل من ضغط الجبهات المشتعلة إلى ضغط الطاولات السياسية، من دون أن يتحرر من شروط الضعف التي كبّلته طويلًا. ولذلك، فإنّ الامتحان الحقيقي اليوم لا يكمن في مجرد كسر المحظورات، التي قد تجد معارضين أكثر من المؤيدين، وإنما في منع هذا الكسر من أن يتحول إلى ثغرة يتسلل منها ثمن سياسي لا يملك لبنان، بتركيبته الهشة وظروفه الراهنة، قدرة فعلية على احتماله.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق