مضيق هرمز تحت الحصار.. قصة الصراع الذي قد يدفع أسعار النفط لقمم غير مسبوقة

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​بينما كانت أضواء حلبات نزالات يو إف سي في ميامي تخطف أنظار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء السبت كان نائبه جي دي فانس يكتب فصلاً قاتماً في سجلات الدبلوماسية الدولية حيث أعلن من باكستان فشل المحادثات الماراثونية مع الجانب الإيراني وهو ما وضع نهاية مخيبة للآمال التي علقت على تحقيق سلام قريب في المنطقة وتحديداً حول أزمة مضيق هرمز المتصاعدة بشكل دراماتيكي.

​حسب تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز فإن العالم لم يضطر للانتظار طويلاً لاستيعاب حجم الرد الأميركي على هذا الإخفاق الدبلوماسي الكبير إذ بادر الرئيس ترمب صباح الأحد بإعلان فرض حصار بحري شامل يستهدف كافة الممرات المائية الحيوية في المنطقة في خطوة استراتيجية تهدف إلى تغيير موازين القوى في الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي والتي يجد البيت الأبيض صعوبة في إيجاد مخرج آمن منها.

​وتشير التقارير إلى أن الرئيس الأميركي كان قد قلل في البداية من قدرة النظام الإيراني على خنق تجارة الطاقة العالمية مما جعله الآن يندفع نحو إجراءات عقابية غير مسبوقة لإصلاح هذا المسار المتعثر حيث يرى ترمب أن الحصار هو الوسيلة الوحيدة لإجبار طهران على التراجع عن مواقفها المتصلبة التي أدت لانسداد أفق الحل السلمي في المفاوضات الأخيرة التي جرت في إسلام آباد.

كواليس إسلام آباد وانكسار آمال السلام

​كشف مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن قرار الانتقال إلى خيار الحصار البحري لم يكن وليد الصدفة بل جاء كنتيجة مباشرة لما وصفوه بالتعنت الإيراني الصارخ خلال محادثات باكستان الأخيرة حيث رفض الوفد الإيراني بشكل قاطع المطالب الأميركية الصارمة التي تضمنت ضرورة تفكيك منشآت تخصيب اليورانيوم الحساسة ووقف كافة أشكال التمويل الموجهة للجماعات الوكيلة التي تنشط في مختلف دول المنطقة.

​وبينما كان فانس يأمل في أن تؤدي هذه الضغوط إلى رضوخ طهران يرى مراقبون دوليون أن الجانب الإيراني كان يراهن على عامل الوقت وعلى حاجة واشنطن الماسة لتجنب صراع طويل الأمد وهذا التضارب في الحسابات أدى في نهاية المطاف إلى انهيار المسار الدبلوماسي تماماً وهو ما دفع الإدارة الأميركية للبحث عن أدوات ضغط أكثر خشونة تتجاوز العقوبات الاقتصادية التقليدية المعتادة.

​وفي هذا الصدد أشار البروفسور ولي نصر إلى أن القيادة في طهران تتبنى استراتيجية تقوم على فكرة أن الخنق العالمي لإمدادات الطاقة يخدم مصالحها في نهاية المطاف من خلال وضع النظام المالي العالمي تحت ضغوط لا تستطيع الإدارة الأميركية تحمل تبعاتها السياسية محذراً من أن الرد الإيراني القادم قد يتجاوز حدود مضيق هرمز ليصل إلى محاولة إغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل أيضاً.

استراتيجية الحصار البحري ونموذج كاراكاس

​يسعى الرئيس ترمب من خلال هذا الانعطاف الاستراتيجي الحاد إلى استنساخ ما يسمى بنموذج فنزويلا الذي نجح في وقت سابق في ممارسة ضغوط قصوى أدت لتضييق الخناق على نظام مادورو لكنه يحاول تطبيق هذه التجربة هذه المرة في أكثر الممرات المائية حساسية وأهمية في العالم أجمع حيث يبدأ التنفيذ الفعلي للحصار يوم الاثنين مستهدفاً شل القدرة المالية للدفاع الإيراني بشكل كامل ونهائي.

​ويهدف هذا التحرك العسكري والأمني إلى منع كافة صادرات النفط الإيرانية من الوصول إلى الأسواق العالمية بالإضافة إلى حرمان طهران من تحصيل أي رسوم تتعلق بالعبور القسري للسفن عبر مياهها الإقليمية وصرح ترمب لشبكة فوكس نيوز بنبرة اتسمت بالحزم الشديد قائلاً إن بلاده ستطبق حصاراً كاملاً ولن تسمح لإيران بجني الأموال من مبيعات الطاقة لأن ما حدث في فنزويلا سيتكرر هنا.

​وأكد الرئيس الأميركي أن مستوى التنفيذ في هذه العملية سيكون أعلى بكثير مما شهدته التجارب السابقة نظراً للحشد العسكري الكبير الذي يتم توجيهه الآن نحو المنطقة لإحكام السيطرة على حركة الملاحة ومنع أي خروقات قد تحاول القيام بها ناقلات النفط المرتبطة بالنظام الإيراني وهو ما يضع الأسطول الأميركي في مواجهة مباشرة ومحتملة مع البحرية الإيرانية التي تعهدت بدورها بحماية مصالحها السيادية.

زلزال الطاقة واختبار الصمود العالمي

​يرى محللون اقتصاديون دوليون أن هذه العملية العسكرية الأميركية الواسعة تخاطر بزعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية بصورة غير مسبوقة في التاريخ الحديث مما قد يفتح الباب على مصراعيه أمام موجة غلاء فاحشة في أسعار النفط والوقود تتجاوز في شدتها تلك الصدمات التي حدثت في بدايات النزاع الحالي في شهر فبراير الماضي مما يهدد بتعطيل سلاسل الإمداد العالمية التي لم تتعافَ بعد تماماً.

​ولا يتوقف الخطر عند الجانب الاقتصادي الصرف بل يمتد ليهدد بانهيار اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران يوم الثلاثاء الماضي مما ينذر بعودة المواجهات المسلحة المباشرة وفي هذا السياق أكدت جنيفر كافانو مديرة التحليل العسكري في معهد أولويات الدفاع بواشنطن أن إغلاق مضيق هرمز بالكامل سيؤدي حتماً إلى قفزة جنونية في الأسعار ستضع الإدارة الأميركية تحت ضغط دولي هائل.

​وأضافت كافانو أن هذا القرار يعكس بوضوح مدى حالة الإحباط العميقة التي يشعر بها الرئيس ترمب تجاه سير العمليات العسكرية والسياسية ويشير بوضوح إلى أنه بات يشعر بوصوله إلى نهاية خياراته المتاحة للخروج من أزمة الحرب التي استنزفت الكثير من الموارد الأميركية دون تحقيق نتائج ملموسة على الأرض حتى الآن وهو ما يفسر اللجوء إلى خيار الحصار البحري الشامل كحل أخير.

الصدام مع التنين الصيني ومصالح بكين

​يضع الحصار الأميركي الجديد الصين التي تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في كوكب الأرض في مواجهة مباشرة وحرجة للغاية مع إدارة ترمب حيث تظل بكين المستورد الأكبر والأساسي للنفط الإيراني الخام منذ سنوات واستمرار تدفق هذه الشحنات الحيوية عبر الممرات المائية منذ اندلاع الحرب يمثل شريان الحياة الوحيد المتبقي لطهران وتحدياً صريحاً وفجاً للإرادة والسياسة الأميركية المعلنة في المنطقة.

​ويرى الخبراء أن فرض حظر شامل على الناقلات التي تحمل الخام الإيراني يهدد بقطع هذه الإمدادات الطاقية الأساسية عن المصانع والمدن الصينية مما قد يؤدي إلى اشتعال التوترات الدبلوماسية والعسكرية بين واشنطن وبكين إلى مستويات خطيرة وغير مسبوقة خاصة وأن هذا التصعيد الأميركي يأتي في توقيت حساس للغاية قبيل زيارة ترمب المقررة إلى الصين في الشهر المقبل مما يلقي بظلال قاتمة على تلك الزيارة.

​ولم تتوقف الضغوط الأميركية عند هذا الحد بل امتدت لتشمل إشعال حرب تجارية موازية حيث هددت إدارة ترمب بشكل رسمي بفرض رسوم جمركية إضافية وباهظة قد تصل إلى خمسين في المائة على كافة الواردات الصينية في حال ثبت قيام بكين بتزويد طهران بمعدات دفاعية متطورة أو تقنيات عسكرية تساعدها على مواجهة الحصار المفروض على مضيق هرمز مما يضع القيادة الصينية أمام اختبار صعب.

المعضلة العملياتية ورهانات اقتصاد الحرب

​تطرح كافانو تساؤلاً حارقاً وجوهرياً حول مدى واقعية تنفيذ هذا الحصار على أرض الواقع متسائلة عما سيحدث لو قررت سفينة مارة تابعة لدولة حليفة لواشنطن دفع رسوم العبور لإيران لتجنب الصدام المباشر مع قواتها البحرية وهل ستقوم القوات الأميركية بمصادرة ناقلات حلفائها أو السفن التابعة للصين في حال رفضت الامتثال للتعليمات الأميركية الجديدة وهو ما قد يؤدي إلى فوضى قانونية وملاحية عالمية.

​ويحذر المحللون الاستراتيجيون من أن المقارنة التي عقدها ترمب مع الحالة الفنزويلية قد تكون مضللة وغير دقيقة إلى حد كبير فالنظام الإيراني قضى عقوداً طويلة في بناء ما يعرف باقتصاد الحرب وبيروقراطية عسكرية وأمنية متجذرة ومستعدة لخوض مواجهات طويلة وغير متكافئة فضلاً عن امتلاك طهران حدوداً برية شاسعة مع خمس عشرة دولة توفر لها رئات بديلة للتنفس عبر دول الجوار مثل العراق وتركيا وروسيا.

​وبين رغبة ترمب في الخروج السريع من وحل الحرب والواقعية السياسية التي يفرضها التعنت الإيراني المستمر يقف العالم اليوم أمام برميل بارود حقيقي يهدد بالانفجار في أي لحظة فالحصار البحري لا يستهدف السفن والناقلات فحسب بل يضع استقرار النظام المالي العالمي برمته في مهب الريح ويجعل من منطقة مضيق هرمز بؤرة صراع قد تغير وجه النظام الدولي الذي عرفناه لعقود طويلة مضت.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق