إتحاد الكتاب.. ولن تسمع للكتاب صوتا

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأحد 12/أبريل/2026 - 12:22 م 4/12/2026 12:22:08 PM

حتى الآن لم استسغ عبارة "نقابة الكتاب" لأنني مازلت على قديمه أقول "إتحاد الكتاب" وكفى، ليس تعاليا على مصطلح نقابة ولكنني أرى قيمة أعلى في لفظة "إتحاد".. ما علينا.. سمعت أن إنتخابات تمت في النقابة وأن حكايات وحواديت تم سردها، نجح من نجح وغادر المجلس من لم يوفق.

وبمناسبة المجلس الجديد تعالوا نسأل السؤال الصعب لمن وُجدت النقابات؟ أهي لحماية المهنة وأصحابها، أم لحراسة أبوابها ومنع الداخلين؟ هذا السؤال يفرض نفسه بإلحاح عند الحديث عن اتحاد كتاب مصر، تلك المؤسسة التي حملت يومًا حلمًا كبيرًا، ثم بدا وكأنها انشغلت بالحفاظ على نفسها أكثر من انشغالها بحماية من يمثلونها.

الفكرة في أصلها نبيلة، اتحاد يضم الكُتّاب يمنحهم مظلة ويحفظ حقوقهم،لكن الواقع كما يرويه كثيرون، يبدو مختلفًا إلى حد يثير الغضب والأسى معًا، هناك فجوة واضحة بين النصوص واللوائح من جهة، وبين روح الإبداع الحقيقية من جهة أخرى، فجوة تسمح بمرور من يجيدون استيفاء الشروط الورقية، بينما من لا يجيدون فن “اللائحة” ويملكون الموهبة الحقيقية، أراهم خارج النقابة، المعضلة هنا ليست في وجود شروط للعضوية، فهذا أمر طبيعي لأي كيان مهني، بل في طبيعة هذه الشروط وكيفية تطبيقها، حين تتحول المعايير إلى مجرد أوراق تُستوفى، يصبح من السهل أن ينضم من لاعلاقة لهم بالكتابة إلا من باب الوجاهة الاجتماعية أو تحقيق بعض المكاسب، بينما يبقى الكاتب الحقيقي خارج الأسوار، إما لأنه لم يسعَ لتلك العضوية أو لأنه أدرك مبكرًا أن الطريق لا يقاس بالإبداع بل بمدى القدرة على التكيف مع آليات بيروقراطية صماء.
الأكثر إيلامًا هو الصمت المتبادل، مجلس إدارة يعلم أن هناك عشرات، بل مئات من الكُتّاب الحقيقيين خارج النقابة، لكنه لا يسعى إليهم، وعلى الجانب الآخر هناك كُتّاب حقيقيون لا يسعون للانضمام، وكأن الطرفين اتفقا ضمنيًا على الابتعاد. المجلس لا يريد مزاحمة على “كعكة” محدودة، والكاتب لا يريد أن يزاحم في مكان يشعر أنه لا يعبر عنه، هكذا تتسع الهوة، ويخسر الجميع.
لكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد، هناك جانب مؤلم، يختصر أزمة كاملة في موقف واحد، على سبيل المثال، عضو منتسب منذ التسعينيات، سدد ما عليه، عاد بعد غياب، قرر أن يستكمل طريقه الطبيعي نحو جدول المشتغلين، وتكون المفاجأة حقيقة صادمة وهي يمكنك أن تدفع الاشتراكات وبسهولة تدخل إلى جدول المشتغلين لكنك لن تحصل على أي حق عند بلوغك سن الستين، اللائحة تقول ذلك، تقول أن العمر قد تأخر، والحقوق سقطت، والاكتواري لا يعرف الدواوين الستة التي أصدرتها ولا يعرف أنك كاتب قمت بالطباعة في هيئة الكتاب وفي هيئات حكومية معتبرة، الإتحاد لا يعرفك وأنت لا تريد ازعاج المجلس المشغول.
هنا لا يعود الأمر مجرد خلل إداري، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي كيف يمكن لكيان يُفترض أنه يحمي الكُتّاب أن يتعامل معهم بهذه القسوة الباردة؟ كيف تصبح اللائحة أداة للمنع بدل أن تكون وسيلة للتنظيم؟ وكيف يُعقل أن يُطلب من الكاتب أن يدفع اشتراكاته كاملة، بينما يُحرم في النهاية من أبسط حقوقه مثل صرف المعاش المتواضع؟
اللوائح، في أي مؤسسة وُجدت لخدمة الناس، وإذا تحولت إلى قيود جامدة، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى عبء على المؤسسة نفسها، لا أحد يطلب هدم النظام، لكن المطلوب هو قدر من المرونة، من الفهم ومن القدرة على قراءة الحالات الإنسانية الخاصة التي لا تنطبق عليها القواعد الصماء.
القضية هنا ليست فردية، بل نموذج لحالات كثيرة، كُتّاب عاشوا حياتهم في الكتابة، نشروا أعمالهم، تركوا بصمتهم، لكنهم لم يدخلوا النقابة في الوقت “المناسب” وفقًا للائحة، هل يُعقل أن يُحرم هؤلاء من التقدير فقط لأنهم تأخروا إداريًا؟ هل يُقاس الإبداع بالتوقيت؟
ثم نصل إلى السؤال الأهم هل يمكن أن يتغير هذا الواقع؟
انتخاب مجلس جديد دائمًا ما يفتح باب الحوار، ولو بشكل محدود، نعم هناك فرصة، حتى لو كانت ضئيلة، لمراجعة هذا المسار. فرصة لأن يدرك القائمون على النقابة أن قوتها لا تأتي من إغلاق أبوابها، بل من توسيعها، أن الاعتراف بالكُتّاب الحقيقيين، حتى لو جاء متأخرًا، هو استثمار في سمعة النقابة ومكانتها.
مبادرة واحدة قد تُحدث فارقًا، مجرد التفكير في التواصل مع الحالات المشابهة، ودراستها وإيجاد صيغة استثنائية عادلة لها، سيكون خطوة تُحسب لهذا المجلس، وربما تُذكر له فعلًا في التاريخ، ليس المطلوب كسر اللائحة، بل إعادة تفسيرها بروح أكثر إنسانية وعدالة.
لكن، هل يحدث ذلك؟
الواقع لا يبشر كثيرًا، التجربة تقول إن المؤسسات التي اعتادت نمطًا معينًا من الإدارة لا تغيّره بسهولة، الميل الطبيعي هو الحفاظ على الوضع القائم، تجنب الصدام، والتمسك بالنصوص كما هي، وربما يرى البعض داخل النقابة أن فتح هذا الباب سيؤدي إلى “فوضى” أو “تدافع”، بينما الحقيقة أن الإغلاق هو ما يدفع الكُتّاب إلى الهروب.
الهروب هنا ليس مجرد تعبير مجازي. كثير من الكُتّاب الحقيقيين لا يرون في النقابة قيمة مضافة، بل عبئًا أو كيانًا لا يعنيهم، وهذه أخطر نقطة في الموضوع. حين يفقد الكيان المهني علاقته بأصحاب المهنة الحقيقيين، فإنه يفقد جوهره، حتى لو ظل قائمًا شكليًا.
الغضب من هذا الوضع مشروع، بل ضروري، لكنه غضب يجب أن يكون حريصًا، لا هدامًا، لأن النقابة رغم كل شيء، تظل كيانًا مهمًا، يمكن أن يكون له دور حقيقي إذا أُعيد توجيهه، النقد هنا ليس بهدف الهدم، بل بهدف الإصلاح. ليس رفضًا للفكرة، بل دفاعًا عنها.
المطلوب إذن مراجعة وشجاعة في اتخاذ قرارات غير تقليدية، أن يعترف المجلس بأن هناك خللًا، وأن يبدأ في إصلاحه، ولو بخطوات صغيرة، أن يمد يده إلى الكُتّاب الذين بقوا خارج الأسوار، لا أن ينتظرهم حتى يختفوا.
النقابة ليست مبنى، ولا لائحة، ولا مجلس إدارة، النقابة هي الكُتّاب أنفسهم وإذا لم يشعر هؤلاء بأنهم جزء منها، فإنها تتحول إلى كيان فارغ، مهما بدا قويًا من الخارج.
ربما لا يتغير شيء قريبًا، وربما تستمر الأمور كما هي، لكن طرح السؤال، ورفع الصوت، وتوثيق هذه الحالات، هو بداية الطريق لأن الصمت، في مثل هذه القضايا، ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في استمرار الخطأ.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق