​هدنة أم إعادة تموضع؟.. لماذا لا تعني تفاهمات واشنطن وطهران نهاية الحرب؟ (خاص)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أكد الدكتور صلاح عبدالعاطي، الباحث والخبير في القانون والعلاقات الدولية، أن إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يمثل نهاية فعلية للحرب، بل يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع بالمنطقة، حيث أصبحت الهدن أدوات لإعادة التموضع وإدارة التوتر، وليس مدخلًا لتسويات دائمة.
 

وأوضح "عبدالعاطي" في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن المشهد الإقليمي لم يعد يتحرك وفق ثنائية الحرب والسلام التقليدية، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على إدارة الصراع عبر هدنة هشة، مؤكدًا أن الحرب لم تعد وسيلة للحسم، بل أداة لفرض شروط تفاوضية، بينما أصبح التفاوض امتدادًا للقتال بوسائل مختلفة.

وأضاف أن نتائج المواجهة الأخيرة كشفت عن مفارقة استراتيجية واضحة، حيث يقابل التفوق العسكري الأمريكي–الإسرائيلي عجز عن تحقيق الأهداف الكبرى، مثل إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي أو كسر قدراته الصاروخية، فضلًا عن عدم حسم جبهات غزة ولبنان رغم الكلفة البشرية والمادية الكبيرة.
 

وأشار إلى أن طبيعة الصراع تتجاوز البعد العسكري، لتشمل عوامل الهوية والسيادة وإرادة الصمود، وهي عناصر لا يمكن حسمها بالقوة، لافتًا إلى أن اتساع الأهداف السياسية يفوق القدرة الواقعية على تحقيقها، خاصة في ظل تحولات النظام الدولي وتراجع الهيمنة الأحادية.
 

وبين أن المرحلة الحالية تشهد انتقالًا من نموذج "الحرب للحسم" إلى "الحرب لإدارة التفاوض"، حيث تستخدم الأطراف المختلفة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، مزيجًا من التصعيد المحدود والضغوط الاقتصادية والهدن المؤقتة، ضمن دورة مستمرة من التصعيد والتهدئة.
 

وفيما يتعلق بالهدنة القائمة، وصفها بأنها" إطار تفاوضي مفتوح" بين مشروعين متعارضين، موضحًا أن المقترحات الإيرانية تركز على وقف شامل للصراع ورفع العقوبات والاعتراف بدورها الإقليمي، بينما تتمسك واشنطن بشروط تتعلق بتفكيك البرنامج النووي وتقييد القدرات الصاروخية واحتواء النفوذ الإقليمي.
 

وأكد أن لبنان يمثل ساحة اختبار حاسمة لمستقبل هذه الهدنة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، محذرًا من أن استمرار هذا التصعيد قد يؤدي إلى ربط الجبهات وإشعال مواجهة إقليمية واسعة.
 

ولفت "عبدالعاطي" إلى أن إسرائيل تعاني ما وصفه بـ أزمة النصر المستحيل، إذ تحقق مكاسب تكتيكية دون قدرة على ترجمتها إلى إنجازات استراتيجية، ما يدفعها إلى تصعيد عسكري متكرر لتعويض هذا العجز، خاصة في ظل تعدد الجبهات من فلسطين إلى اليمن والعراق.
 

وأشار إلى أن الجغرافيا عادت لتلعب دورًا محوريًا في الصراع، خاصة في مضيق هرمز، الذي تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية تؤثر في أسواق الطاقة العالمية، ما يعكس تحولًا أعمق في طبيعة الصراع نحو السيطرة على الممرات الحيوية.
 

كما أوضح أن الصراع لم يعد محصورًا في جبهات تقليدية، بل تحول إلى شبكة ممتدة من الساحات تشمل الجوانب العسكرية والاقتصادية والسيبرانية، فيما يُعرف بمفهوم "وحدة الساحات".
 

وفي سياق متصل، أكد أن الهدنة الحالية تعكس تحولًا في بنية النظام الدولي، مع تراجع القدرة الأمريكية على فرض حلول منفردة، مقابل صعود أدوار إقليمية ودولية متعددة، ما يمهد لنظام عالمي متعدد الأقطاب.
 

وانتقد تآكل قواعد القانون الدولي، مشيرًا إلى تصاعد استهداف المدنيين وتراجع دور المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، ما يعزز منطق "قانون القوة" بدلًا من سيادة القانون.
 

وشدد على أن القضية الفلسطينية تظل في قلب الصراع رغم محاولات تهميشها، مؤكدًا أن أي استقرار حقيقي في المنطقة يظل مرهونًا بإيجاد حل عادل لها.
 

وحول التداعيات الإقليمية، أشار إلى أن الدول العربية، خاصة الخليجية، تواجه تحديات متزايدة نتيجة تداعيات الحرب، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وإعادة تشكيل التحالفات.
 

وشدد على أن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من "إدارة الفوضى"، حيث يبقى الاستقرار هشًا، والصراع مفتوحًا على عدة سيناريوهات، أبرزها التصعيد المحدود أو الانفجار الإقليمي أو استمرار التوازن الهش، مؤكدًا أن الهدنة الحالية "ليست سلامًا، بل استراحة محارب" في صراع مرشح للاستمرار.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق