جمهورية «مجتبى» الدامية: اتفاق وقف النار يمنح النظام الإيراني صك الغفران للقمع

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تشهد الساحة السياسية والاجتماعية في طهران حالة من الترقب المشوب بالخوف والغموض عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار في النزاع الأخير، حيث يرى الكثيرون أن استمرار النظام الإيراني في السلطة رغم الضربات العسكرية يمثل انتكاسة لآمال التغيير الجذري التي وعد بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مما ولد شعوراً عميقاً بالخيبة لدى النشطاء الذين كانوا يعلقون آمالهم على تحول سياسي ينهي عقوداً من الحكم الديني القائم منذ عام 1979.

تطلعات التغيير وتحديات الصمود السياسي 

وحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية ومصادر حقوقية متطابقة، فإن تعهدات الإدارة الأميركية بتغيير النظام لم تترجم إلى واقع ملموس على الأرض، بل انتهت الجولة القتالية بصمود الهياكل الأساسية للسلطة في طهران رغم اغتيال المرشد علي خامنئي في اليوم الأول، حيث سارع نجله مجتبى لتولي الزمام وضمان استمرارية آلة الحرب، مما جعل المسؤولين الإيرانيين يروجون لنتائج الحرب باعتبارها نصراً استراتيجياً يثبت قدرة المنظومة على البقاء تحت أقسى الضغوط.

ويروي وسيط في البورصة الإيرانية يبلغ من العمر أربعين عاماً فضل عدم ذكر اسمه لغايات أمنية، أن ما حدث يشبه عملاً غير مكتمل البناء، إذ يسود اعتقاد بين السكان بأن الأمور ستؤول في نهاية المطاف إلى تجدد المواجهات العسكرية مستقبلاً، معرباً عن قلقه من أن شعور السلطة بالانتصار سيعزز من غطرستها، مما قد يؤدي إلى زيادة وتيرة قتل المعارضين واستمرار سياسة حجب الإنترنت وتضييق الخناق على الحريات العامة بشكل أسوأ مما سبق.

وتعبر سيمين التي تعمل مدرسة في العاصمة طهران عن مشاعر متناقضة تسيطر على الشارع، فبينما تشعر بارتياح مؤقت لتوقف دوي القنابل الذي أرعبها طوال الأسابيع الماضية، إلا أنها تجد في استمرار بقاء النظام الإيراني خطراً لا يقل عن خطر الحرب نفسها، حيث تشير إلى أن أنباء الإعدامات المتلاحقة تثير في نفسها رعباً يوازي رعب القصف الجوي، مما يجعل الفرح بوقف القتال مجرد لحظات عابرة يقطعها الخوف من التنكيل الأمني المتوقع.

تصاعد وتيرة الإعدامات والقبضة الأمنية 

وتتفق آراء الكثير من الشباب مع هذا الطرح، حيث يرى أرمين البالغ من العمر أربعة وثلاثين عاماً أن بقاء السلطة الحالية يعني أن الشعب لن يجني أي ثمار من توقف الحرب، بل على العكس تماماً، يتوقع أن يجبر المواطنون على دفع ثمن الخسائر الاقتصادية والعسكرية الفادحة التي تكبدتها البلاد خلال النزاع، وهو ما يضع عبئاً إضافياً على كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة التي عانت أصلاً من ويلات العقوبات والاشتباكات المسلحة العنيفة.

ومنذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، لم تتوقف المقصلة عن الدوران، حيث أعدمت السلطات سبعة أشخاص على خلفية احتجاجات يناير، شملت ستة بتهمة الانتماء لمنظمة مجاهدي خلق ومواطناً يحمل الجنسية السويدية بتهمة التجسس، مما يعكس رغبة واضحة في استخدام عقوبة الإعدام كأداة لترهيب المجتمع وضمان عدم خروج أي تحركات شعبية تطالب بالتغيير في ظل الظروف الراهنة والمستقبلية التي تمر بها البلاد.

وتشير تقارير منظمة "معاً ضد عقوبة الإعدام" من باريس إلى أن النظام الإيراني أثبت أن القمع هو سلاحه الوحيد والفعال للبقاء، حيث تحولت ساحات المحاكم إلى أداة لبث الرعب الجماعي، وأصبح مجرد نشر صورة أو رأي على وسائل التواصل الاجتماعي كافياً لتحويل المواطن العادي إلى جاسوس يواجه حبل المشنقة، في ظل غياب تام لمعايير المحاكمة العادلة وانتزاع الاعترافات القسرية تحت التعذيب لبثها عبر شاشات التلفزيون الرسمي كرسائل تحذيرية للعامة.

العزلة الرقمية وتقييد التواصل الخارجي

 وعلى صعيد التواصل، يؤكد موقع "نت بلوكس" المتخصص في مراقبة الإنترنت أن القيود الصارمة لا تزال مفروضة على الشبكة العنكبوتية منذ بداية النزاع وحتى اللحظة، مما تسبب في انقطاع شبه كامل بين الإيرانيين والعالم الخارجي، وهو تكتيك يعتمده النظام الإيراني بانتظام لعزل الداخل ومنع تنسيق الاحتجاجات أو تسريب تفاصيل الانتهاكات الحقوقية التي تحدث خلف الأبواب المغلقة، مما يزيد من صعوبة رصد حجم القمع الفعلي الذي تمارسه الأجهزة الأمنية المختلفة.

ويرى رافاييل شونويل هزان أن هذه السياسة الممنهجة تهدف إلى خلق بيئة من الشك الدائم بين المواطنين، حيث يخشى كل فرد من الوشاية أو الاعتقال التعسفي، مما يؤدي في النهاية إلى شلل تام في الحراك المدني، وتصبح الدولة في مواجهة مباشرة مع شعبها الذي تعتبره التهديد الحقيقي الأول لبقائها، متجاوزة في عدائها التهديدات الخارجية التي تمثلها القوى الدولية والاقليمية التي اشتبكت معها عسكرياً في الجولة الأخيرة من الصراع.

وفي الوقت الذي تعهد فيه الرئيس الأميركي خلال احتجاجات يناير بتقديم المساعدة وحض السلطات على وقف الإعدامات، جاء اتفاق وقف إطلاق النار خالياً من أي ضمانات سياسية أو آفاق حقيقية لتغيير بنية الحكم، مما عزز القناعة لدى الشعب الإيراني بأن القوى الدولية تبرم اتفاقاتها بناءً على مصالحها الاستراتيجية فقط، دون النظر بجدية إلى تطلعات الديمقراطية أو حقوق الإنسان التي يطالب بها النشطاء في الداخل والخارج على حد سواء.

خيبة أمل المعارضة وتوقعات الانفجار

 ويؤكد محمود أميري مقدم، مدير منظمة حقوق الإنسان في إيران، أن تصعيد القمع سيستمر بمعزل عن حالة الحرب أو السلم، لأن السلطات ترى في الشعب العدو الوجودي الأكبر، وهذا يفسر استمرار تنفيذ أحكام الإعدام بحق الشباب المشاركين في التظاهرات حتى في ذروة العمليات العسكرية، حيث تهدف الدولة إلى إرسال رسالة مفادها أن الانشغال بالحرب الخارجية لن يثنيها عن سحق أي محاولة للتمرد أو العصيان المدني في المدن والأقاليم.

وفي أروقة المعارضة بالمنفى، سادت حالة من الإحباط الشديد، حيث اعتبر سعيد قاسمي نجاد، مساعد رضا بهلوي، أن وقف إطلاق النار كان غير ضروري وأضر بالمصالح القومية، بينما حذرت مريم رجوي من أن السلام لن يتحقق طالما بقي النظام الإيراني في سدة الحكم، مؤكدة أن السلام الدائم يتطلب إسقاط ما وصفته بالديكتاتورية الإرهابية التي تقتات على الحروب والأزمات لتبرير وجودها وقمعها المستمر للمطالب الشعبية العادلة والمنطقية.

ويحلل الأكاديمي توماس جونو من جامعة أوتاوا الموقف مشيراً إلى أن الادعاء بالنصر لا يخفي حقيقة الضعف الاقتصادي الهائل الذي تعاني منه البلاد، موضحاً أن السؤال الجوهري الآن ليس حول احتمالية اندلاع احتجاجات جديدة، بل حول توقيت انفجارها، خاصة وأن السلطات ستلجأ إلى وحشية أكبر في التعامل مع المعارضين سواء في الداخل أو عبر ملاحقتهم في الخارج، لتعويض النقص في الشرعية السياسية والانهيار المتسارع في مستويات المعيشة.

الجمود السياسي ومعاناة المواطن العادي

 ويرى مراقبون أن الضربات التي استهدفت المواقع النووية والصاروخية قد تكون حققت مكاسب تكتيكية للولايات المتحدة وإسرائيل من حيث كسب الوقت، لكنها لم تغير من الواقع اليومي للإنسان الإيراني شيئاً، فالسلطة لا تزال ممسكة بزمام الأمور، والقبضة الأمنية تزداد تشنجاً، والآمال التي بنيت على تدخل خارجي يؤدي إلى انفراجة سياسية قد تبخرت أمام طاولة المفاوضات التي ركزت على وقف النار وتجاهلت ملف الحقوق والحريات الأساسية.

إن المشهد الحالي في طهران يشي بمستقبل قاتم، حيث يجد المواطنون أنفسهم محاصرين بين سندان الحرب الخارجية ومطرقة القمع الداخلي، ومع غياب آفاق التغيير القريب، تظل السجون مكتظة بالمعتقلين والساحات مهيأة لمنصات الإعدام، مما يجعل من وقف إطلاق النار مجرد هدنة عسكرية قصيرة في حرب طويلة يشنها النظام الإيراني ضد تطلعات شعبه نحو الحرية والكرامة، وهي معركة يبدو أنها ستستمر طويلاً في ظل التوازنات الدولية المعقدة والراهنة.

ختاماً، يبقى الوضع الإيراني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فبينما تحاول السلطة لملمة جراحها وإظهار القوة، يغلي الشارع تحت وطأة الظلم الاقتصادي والسياسي، ومع استمرار غياب الحلول الجذرية للأزمات الهيكلية، فإن حالة الاستقرار الهش التي فرضها وقف إطلاق النار قد لا تصمد طويلاً أمام طوفان الغضب الشعبي الذي يرى في بقاء المنظومة الحالية عائقاً أمام أي مستقبل طبيعي ومستقر للأجيال القادمة في هذه المنطقة المضطربة من العالم.

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق