في السياسة الدولية، ليست كل هدنة مقدمة للسلام، كما أنها ليست دائمًا قناعًا للحرب المقبلة. بعض الهدن يُولد من إرهاق متبادل، وبعضها يُفرض تحت ضغط اللحظة، وبعضها الآخر لا يكون أكثر من فجوة زمنية قصيرة تسمح للأطراف بإعادة ترتيب أوراقها، وتبريد الجبهات، واختبار نيات الخصوم قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة. الهدنة الحالية بين إيران والولايات المتحدة تبدو، حتى الآن، أقرب إلى هذا النوع الأخير: هدنة ضرورية، لكنها غير مستقرة؛ مهمة، لكنها غير مكتملة؛ وتاريخية من حيث التوقيت، لا من حيث الضمانات. فالمتاح حتى 9 أبريل 2026 هو وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين، أعقب ستة أسابيع من الحرب، مع بدء مسار تفاوضي في إسلام آباد بوساطة باكستانية، لكن من دون تسوية حقيقية للقضايا التي فجرت المواجهة أصلًا.
المشكلة الأساسية في هذه الهدنة أنها لم تأتِ بعد اتفاق سياسي شامل، بل جاءت قبل الاتفاق، وتحديدًا لتفادي الانزلاق إلى مواجهة أوسع. هذا فارق جوهري. عندما تُوقَّع الهدنة بعد حسم الملفات الكبرى، تصبح أداة تثبيت. أما حين تُوقَّع قبل الحسم، فإنها تتحول إلى مساحة اختبار: اختبار للجدية، وللقدرة على ضبط الحلفاء، ولحدود الضغط العسكري، ولإمكان ترجمة وقف النار إلى منطق تفاوضي مستقر. هذا ما يحدث الآن بالضبط. إيران أعلنت أنها ستتعامل مع محادثات السلام مع واشنطن “بحذر شديد” بسبب انعدام الثقة العميق، بينما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن العمل “عن قرب” مع إيران ومناقشة تخفيف العقوبات، ما يعكس فجوة واضحة بين خطابين: خطاب أميركي يريد تصوير الهدنة كبداية اختراق، وخطاب إيراني يتعامل معها كترتيب مؤقت محاط بالشكوك.
سياسيًا، لا تبدو الهدنة الحالية ثمرة تقارب حقيقي بين مشروعين متنافسين، بل نتيجة اقتناع متبادل بأن كلفة الاستمرار في الحرب باتت أعلى من كلفة التوقف المؤقت. الولايات المتحدة أرادت وقف دوامة التصعيد بعدما ارتفعت كلفة الحرب سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، فيما أرادت إيران تثبيت وقف إطلاق النار من دون الظهور بموقع الطرف الذي خضع بالكامل للإملاءات الأميركية. لهذا السبب تحديدًا، سارع كل طرف إلى إعلان النصر بطريقته الخاصة. واشنطن تتحدث عن نجاح الضغط العسكري في دفع طهران إلى القبول بالهدنة، بينما تصف إيران الاتفاق بوصفه نتيجة لصمودها وقدرتها على فرض معادلات جديدة. وحين يخرج طرفان من وقف إطلاق النار وهما مقتنعان معًا بأنهما انتصرا، فهذا لا يعني استقرارًا؛ بل يعني غالبًا أن التعارض الجوهري لم يُحل، وإنما جرى تجميده مؤقتًا.
لهذا، فإن سؤال الاستمرار لا يتعلق فقط بمدة الأسبوعين المعلنة، بل بطبيعة القضايا المعلقة خلفها. أول هذه القضايا هو الملف النووي، وهو العقدة الأثقل في العلاقة بين الطرفين. تقارير حديثة نقلت عن البيت الأبيض أن إيران أبدت إشارة إلى إمكان تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، لكن بلا اتفاق نهائي معلن على الآلية أو الضمانات أو الثمن السياسي المقابل. وفي المقابل، تُظهر التغطيات أن طهران ما زالت تعتبر الاحتفاظ بحقها في التخصيب جزءًا من سيادتها الاستراتيجية، فيما تصر واشنطن على إنهاء أو تقييد هذا المسار بشدة. هذه ليست تفاصيل فنية؛ بل جوهر الصراع نفسه. فإذا لم تُحسم هذه المسألة، ستبقى الهدنة أقرب إلى وقف اشتباك لا إلى بداية سلام. وإذا جرى دفع أحد الطرفين إلى صيغة يراها إذلالًا سياسيًا، فقد ينهار المسار كله حتى لو استمرت الهدنة شكليًا لبعض الوقت.
المعضلة الثانية لا تقل خطورة: مضيق هرمز. هنا يدخل الاقتصاد العالمي طرفًا غير مباشر في هذه الهدنة. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يمر عبر هرمز نحو خُمس استهلاك النفط العالمي وأكثر من خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما يجعل أي اضطراب في المضيق أزمة دولية تتجاوز حدود الصراع الأميركي الإيراني نفسه. ورغم إعلان التهدئة، أفادت رويترز بأن تدفقات الشحن لم تعد بعد إلى طبيعتها، وأن شركات الشحن والتأمين ما زالت تبحث عن وضوح بشأن كيفية إعادة فتح المضيق وقواعد المرور خلال الهدنة، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن إيران تريد أن يكون العبور تحت تنسيق عسكري إيراني وبقواعد أشد صرامة. هنا يكمن مصدر هشاشة بالغ: الهدنة أوقفت جانبًا من القتال، لكنها لم تُعد تعريف “الطبيعي” في أحد أهم الممرات الحيوية في العالم.
سياسيًا وجيوسياسيًا، لا يقتصر الرهان على ما إذا كانت واشنطن وطهران ستلتزمان بالنصوص، بل على ما إذا كانتا ستتفقان أصلًا على تفسير تلك النصوص. هل الهدنة تشمل لبنان أم لا؟ هنا يظهر واحد من أخطر الألغام المزروعة تحت المسار كله. الاتحاد الأوروبي دعا صراحة إلى أن تمتد الهدنة إلى لبنان، فيما أظهرت تغطيات وكالة أسوشيتد برس أن هذه النقطة محل نزاع مباشر: إيران وجهات أخرى اعتبرت أن وقف النار ينبغي أن ينعكس على الساحة اللبنانية، بينما لم تتعامل إسرائيل والولايات المتحدة مع الأمر بالطريقة نفسها، واستمرت الغارات الإسرائيلية على لبنان، ما وضع الهدنة منذ يومها الأول تحت ضغط شديد. وإذا بقيت الجبهات الفرعية مفتوحة، فإن أي هدنة على الجبهة الرئيسية تصبح عرضة للاهتزاز مع أول تصعيد من جانب حليف أو وكيل إقليمي.
هذا يقود إلى البعد الجيوسياسي الأوسع: الهدنة لا تُختبر فقط بين دولتين، بل داخل نظام إقليمي متشظٍ. إسرائيل ليست تفصيلًا على هامش التفاوض، ودول الخليج ليست جمهورًا متفرجًا، وأوروبا ليست وسيطًا محايدًا بالكامل، والصين وتركيا وباكستان كلها حاضرة بدرجات متفاوتة في خلفية المشهد. رويترز ذكرت أن تركيا لعبت دورًا استخباراتيًا في تثبيت قنوات التواصل والمساعدة على خفض سوء الفهم، بينما باكستان هي الراعي المعلن للمسار التفاوضي في إسلام آباد. تعدد الوسطاء هنا ليس علامة قوة بالضرورة؛ أحيانًا يكون دليلًا على أن الأزمة أكبر من قدرة قناة واحدة على احتوائها. لكنه في الوقت نفسه يعكس حقيقة مهمة: المجتمع الدولي والإقليمي لا يريد لهذه الحرب أن تتجدد بسهولة، لأن تكلفة انفجارها تتجاوز الطرفين المعنيين مباشرة.
استراتيجيًا، تبدو الهدنة الحالية ثمرة إدراك متبادل لحدود القوة. الولايات المتحدة أثبتت أنها ما زالت قادرة على إيلام إيران عسكريًا ورفع كلفة المواجهة عليها، لكنها لم تستطع تحويل تلك القوة إلى تسوية نهائية حتى الآن. وإيران، من جهتها، ورغم الضربات، ما زالت تحتفظ—بحسب التحليلات المنشورة—بعناصر نفوذ حاسمة، في مقدمتها القدرة على التأثير في هرمز، والاحتفاظ بجزء من أدوات الردع، واستمرار الامتداد الإقليمي عبر حلفائها. هذا يعني أن الحرب لم تنتج نصرًا استراتيجيًا حاسمًا لطرف يُملي شروطه بالكامل على الآخر، بل أنتجت توازنًا مؤلمًا ومربكًا: واشنطن قوية بما يكفي لفرض وقف، وطهران صامدة بما يكفي لمنع فرض استسلام كامل. وفي مثل هذه الحالات، تكون الهدنة ممكنة، لكن السلام الشامل يبقى أصعب كثيرًا.
الجيواستراتيجية هنا أكثر تعقيدًا من السياسة اليومية. ما يجري ليس فقط نزاعًا على ملف نووي أو على حرية الملاحة، بل صراع على هندسة النظام الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط. إذا نجحت الولايات المتحدة في تحويل هذه الهدنة إلى اتفاق طويل الأمد يحد جذريًا من البرنامج النووي الإيراني، ويعيد فتح هرمز من دون ترتيبات تمنح طهران وضعًا استثنائيًا دائمًا، ويمنع امتداد النار إلى الجبهات التابعة لإيران، فستكون قد أعادت تثبيت معادلة الردع الأميركية التقليدية في المنطقة. أما إذا انتهى المسار إلى ترتيب ضبابي يُبقي لإيران نفوذًا تفاوضيًا دائمًا على المضيق، ويترك الملف النووي داخل مساحة غموض قابلة لإعادة الاشتعال، ويُبقي ساحات الوكلاء مفتوحة، فسنكون أمام هدنة قد تطول نسبيًا لكن بوصفها مرحلة انتقالية إلى صراع جديد، لا بوصفها تسوية نهائية.
ومن المهم هنا التوقف عند عنصر الثقة، أو بالأحرى انعدامها. العلاقات الأميركية الإيرانية لم تكن يومًا قائمة على الثقة، لكن اللحظة الراهنة تبدو أشد تلوثًا من أي وقت قريب. السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة في جنيف تحدث صراحة عن “حذر شديد” و”عدم ثقة عميق” قبل المفاوضات. وفي الجهة المقابلة، وصف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الهدنة بأنها “هدنة هشة” وأكد أن الرئيس ترامب “غير صبور” حيال التقدم. عندما يستخدم طرفان أساسيان هذه اللغة في أول أيام التهدئة، يصبح واضحًا أن ما يجمعهما الآن ليس تصور مشترك للمستقبل، بل فقط إدراك أن البديل الفوري أسوأ. هذا الإدراك قد يكون كافيًا لحماية الهدنة أيامًا أو أسابيع، لكنه لا يكفي وحده لبناء استقرار طويل المدى.
اقتصاديًا، هناك ما يدفع الطرفين إلى التمسك بالهدنة، ولو مؤقتًا. رويترز أشارت إلى أن الشحنات النفطية لا تزال محدودة وأن الأسواق تراقب أي انفراج أو انتكاسة، فيما انعكست الأزمة على مخاوف التضخم وكلفة النقل وسلاسل الإمداد. هذا يعني أن للعالم مصلحة ضخمة في بقاء وقف النار قائمًا، حتى لو كان هشًا. لكن المصلحة الاقتصادية الدولية ليست ضمانة سياسية كافية. فكم من مرة أرادت الأسواق الاستقرار ولم تحصل عليه، لأن قرار الحرب والسلام تحدده أحيانًا اعتبارات الهيبة والردع والداخل السياسي أكثر مما تحدده الحسابات التجارية الباردة. صحيح أن النفط والشحن والتأمين كلها تضغط باتجاه التهدئة، لكن إذا شعرت إحدى العاصمتين أن قبولها بالتسوية يساوي خسارة استراتيجية أو إذلالًا سياسيًا، فإن منطق الأمن سيتقدم مجددًا على منطق السوق.
ومن زاوية داخلية، لكل طرف حساباته الخاصة التي تجعل الهدنة سلاحًا ذا حدين. إدارة ترامب تحتاج أن تُظهر للرأي العام الأميركي أنها أوقفت الحرب من موقع قوة لا من موقع ارتباك، وأن الضغط العسكري أفضى إلى تفاوض، وربما إلى تنازلات إيرانية لاحقة. أما القيادة الإيرانية فتحتاج أن تُظهر أن القبول بالمفاوضات لم يكن انكسارًا، بل خيارًا سياديًا بعد تثبيت معادلة صمود. لهذا، فإن كل جولة تفاوض لن تكون فقط بين وفدين، بل أيضًا بين حاجتين داخليتين متعارضتين: حاجة إلى الإنجاز، وحاجة إلى حفظ الكرامة السياسية. وغالبًا ما تنهار الهدن عندما يضيق الهامش بين هذين الأمرين.
هل يمكن، رغم كل ذلك، أن تستمر الهدنة؟ نعم، هذا احتمال واقعي. هناك عوامل تدفع نحو ذلك بوضوح: الإرهاق العسكري بعد ستة أسابيع من الحرب، الضغط العالمي لمنع تعطيل هرمز، وجود وساطة باكستانية فعالة في هذه المرحلة، وانخراط قنوات إقليمية أخرى مثل تركيا في تثبيت الاتصال ومنع سوء التقدير. كما أن مجرد انتقال الوفود إلى التفاوض يمنح الهدنة قيمة عملية، لأن كل جولة حوار تخلق كلفة سياسية إضافية على من يريد نسفها سريعًا. الهدنة إذن ليست بلا فرص. لكنها ليست أيضًا على أرض صلبة.
في المقابل، هل يمكن أن تكون هذه الهدنة مجرد مرحلة لما هو قادم؟ نعم، وهذا احتمال لا يقل واقعية. فالقضايا التي لم تُحسم أكثر من القضايا التي حُسمت: مستقبل التخصيب، مصير مخزون اليورانيوم، القواعد الفعلية للملاحة في هرمز، حدود شمول الهدنة للساحات الأخرى، شكل العقوبات أو تخفيفها، وطبيعة الضمانات الأمنية المتبادلة. وحين تكون الملفات الأساسية مؤجلة لا محلولة، يصبح وقف النار أشبه بغطاء فوق نزاع ما زال حيًا، لا نهاية له. قد تؤجل الهدنة الجولة المقبلة، وقد تعيد تشكيلها، وقد ترفع سقفها أيضًا إذا استُخدمت للتحضير السياسي والعسكري لجولة جديدة.
الترجيح الأقرب، وفق ما هو متاح الآن، أن الهدنة ستستمر على الأرجح في المدى القصير لأنها تخدم حاجة عاجلة لدى الجميع، لكنها ستظل مهددة في المدى المتوسط ما لم يتحول وقف النار إلى إطار تفاوضي أكثر صلابة وبنود أكثر تحديدًا. بمعنى آخر: الهدنة قابلة للبقاء كوقف مؤقت للتصعيد، لكنها ليست—حتى الآن—قابلة للاعتماد عليها كأساس متين لاستقرار طويل. إنها هدنة يمكن أن تصمد لأنها ضرورية، لا لأنها راسخة. ويمكن أن تتوسع إن أحسن الوسطاء إدارة التناقضات، لكنها قد تنهار أيضًا إذا حاول أي طرف تحويل غموضها إلى نصر منفرد على الأرض.
وفي الخلاصة، تبدو الهدنة الحالية بين إيران والولايات المتحدة أقل من سلام، وأكثر من مجرد استراحة تكتيكية قصيرة، لكنها ليست بعدُ تسوية تاريخية. إنها لحظة معلقة بين احتمالين كبيرين: إما أن تتحول إلى ممر تفاوضي يخفف منسوب الصراع ويؤسس لقواعد اشتباك أكثر انضباطًا، وإما أن تُقرأ لاحقًا بوصفها الفاصل القصير بين حربين، لا الفصل الأول من سلام. ما سيحسم الاتجاه ليس البلاغات الرسمية، بل ما إذا كانت الأسابيع المقبلة ستنتج شيئًا أعمق من تبادل الرسائل: اتفاقًا على تعريف الأمن، وتعريف الردع، وتعريف الخطوط الحمراء. وحتى يحدث ذلك، ستظل هذه الهدنة—سياسيًا وجيوسياسيًا واستراتيجيًا وجيواستراتيجيًا—هدنة معلقة فوق هوة، لا جسرًا ثابتًا فوقها.














0 تعليق