هل نحن أمام توقف فعلي للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، أم مجرد فرصة لالتقاط الأنفاس بين جولتين؟ الإعلان عن مهلة أسبوعين في المواجهة بين واشنطن وطهران لا يعني بالضرورة نهاية الصراع،
بل قد يمثل إعادة ضبط لإيقاعه. ويمكن النظر إلى هذه المهلة بوصفها هدنة ملغمة،تحمل في طياتها احتمالات التهدئة بقدر ما تنطوي على مخاطر الانفجار.
خلف العناوين العاجلة، لا يزال فقدان الثقة راسخًا بين الطرفين، فيما تبقى الحسابات مفتوحة على سيناريوهات متعددة، خصوصًا في ظل موقف إسرائيلي بدا متحفظًا ومفاجئًا في آنٍ واحد.
وفي موازاة ذلك، تتسابق الأطراف إلى إعلان "النصر"،في مشهد يعكس صراعًا موازيًا على صياغة الرواية لا يقل أهمية عن المواجهة الميدانية نفسها.
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موافقته على وقف قصف إيران لمدة أسبوعين، مشيرًا إلى تلقي واشنطن مقترحًا إيرانيًا من عشر نقاط وصفه بأنه أساس قابل للتطبيق للتفاوض.
وأكد أن معظم نقاط الخلاف جرى التفاهم حولها، وأن المهلة ستتيح استكمال الاتفاق، مشددًا على أن وقف إطلاق النار مشروط بموافقة إيران على فتح كامل وفوري وآمن لمضيق هرمز.
هذا الشرط يكشف أن الخطوة الأمريكية لا تقتصر على تهدئة عسكرية مؤقتة، بل ترتبط باعتبارات استراتيجية أوسع، يتقدمها أمن الملاحة والطاقة.
الربط بين وقف النار ومضيق هرمز يعكس سعي واشنطن إلى تثبيت أولوية استراتيجية قبل الانتقال إلى أي تفاهمات سياسية أشمل، ما يجعل الهدنة أداة ضغط تفاوضي بقدر ما هي إجراء احتوائي للتصعيد.
الخطاب الأمريكي بدا متفائلا، بل أوحى بأن الإدارة تقف على أعتاب تسوية طال انتظارها. غير أن الواقعين الميداني والسياسي يبدوان أكثر تعقيدًا من صياغات البيانات الرسمية.
التفاؤل المعلن يتقاطع مع حاجة أمريكية واضحة إلى احتواء التصعيد وتفادي كلفة مواجهة ممتدة، سواء عسكريًا أو اقتصاديًا، في ظل ضغوط داخلية وحسابات إقليمية دقيقة.
وفي هذا السياق، عززت التصريحات الرسمية الأمريكية هذه الصورة. فقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض تحقيق "نصر عسكري" بفضل قيادة الرئيس ترامب، فيما أكد وزير الحرب "هيغسيت" أن إيران "توسلت"لوقف إطلاق النار، وأن الضربات الأمريكية حققت أهدافها وفق الخطط المرسومة منذ اليوم الأول.
هذه اللغة لا تستهدف طهران بقدر ما تخاطب الداخل الأمريكي والحلفاء، لتكريس صورة الردع ومنع أي تأويل قد يعتبر التهدئة تراجعا.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار، صدرت عن الجانبين تصريحات متعددة تحمل المعاني ذاتها: تأكيد الانتصار، التشديد على الجاهزية العسكرية، وربط التهدئة بشروط واضحة.
هذا التكرار يعكس إدارة واعية للخطاب السياسي، هدفها تثبيت صورة القوة ومنع أي انطباع بالضعف في لحظة انتقال حساسة من المواجهة المباشرة إلى التفاوض غير المباشر.المعركة هنا لم تعد عسكرية فقط، بل باتت أيضًا معركة إدراك وصياغة سردية.
في المقابل، جاء الرد الإيراني متشابهًا في بنيته وإن اختلف في مضمونه. فقد أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن طهران حققت "نصرًا عظيمًا "وأجبرت واشنطن على قبول مقترحها.
ويتضمن الطرح الإيراني انسحاب القوات الأمريكية من قواعد المنطقة، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وتعويضات اقتصادية، إضافة إلى تثبيت حق إيران في تخصيب اليورانيوم والتفاوض حول مستوياته.
أما في ما يتعلق بمضيق هرمز، فتطرح طهران صيغة عبور محدود ولمدة أسبوعين، وفق بروتوكول يخضع لإشرافها وقواعد تحددها. وهنا يتجلى الخلاف، واشنطن تتعامل مع المضيق كمسألة أمن دولي وحرية ملاحة، فيما تنظر إليه إيران كورقة سيادية وأداة ضمن معادلة الردع الإقليمي.
وبحسب ما نقلته وكالة “فارس”، فإن المقترح الإيراني يتضمن وقفًا تامًا لأي عدوان على إيران أو حلفائها، وحظر استخدام القواعد الإقليمية لشن هجمات عليها.
هذه البنود توضح أن طهران لا تفاوض فقط على وقف ضربات مؤقتة، بل تسعى إلى إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، عبر تقليص هامش الحركة العسكري لخصومها في الإقليم.
وفي هذا الإطار، أكد الرئيس الإيراني أن بلاده ستبقى موحدة "في الساحة الدبلوماسية وساحة الدفاع"،في رسالة تجمع بين الانفتاح المشروط والاستعداد المستمر. وهي إشارة إلى أن التهدئة خيار تكتيكي، لا تعبير عن تحول استراتيجي في طبيعة الصراع.
في إسرائيل، بدا القرار الأمريكي مفاجئًا في بدايته، قبل أن تعلن تل أبيب دعم تعليق الهجمات لمدة أسبوعين، مع التأكيد أن وقف إطلاق النار لا يشمل جبهات أخرى مثل لبنان.














0 تعليق