تواصل الكنيسة الأرثوذكسية أداء الصلوات والطقوس وسط أجواء روحانية خاصة، يعيش خلالها الأقباط أيام "البصخة المقدسة" متأملين أحداث حياة المسيح الأخيرة.
وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، اليوم، بـ"أربعاء البصخة" والمعروف بـ"أربعاء أيوب"، بالتزامن مع احتفالات الكنيسة بـ"أسبوع الآلام"، والذي بدأته الأحد الماضي، ويستمر حتى الجمعة الحزينة والمعروفة بالجمعة العظيمة.
ويعرف أربعاء البصخة بـ"أربعاء أيوب"، والذي فيه تقرأ الكنيسة ميمر أيوب الذي احتمل البلايا وصبر عليها، واليوم نرى السيد المسيح مثل أيوب وقد بدأت المشاورات مع يهوذا واقترب من آلام الصليب.
أحداث وقراءات أربعاء البصخة المقدسة: سكون الظاهر ومشورة الخيانة
وقال الدكتور ماجد عزت إسرائيل، المتحدث الإعلامي لإيبارشية شمال ألمانيا، إن يوم الأربعاء من البصخة المقدسة يتميّز بطابع خاص بين أيام أسبوع الآلام، إذ لا تسجل الأناجيل تحركات علنية واسعة للسيد المسيح كما في الأيام السابقة، بل يبدو اليوم في ظاهره يوم سكون وهدوء، قضاه الرب في بيت عنيا، بعد أن غادر الهيكل مساء الثلاثاء، عاقدًا العزم على عدم العودة إليه مرة أخرى.
وأضاف أن هذا الموقف يأتي في ضوء كلمات السيد المسيح الحاسمة لليهود: "هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا... إنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب" (متى 23: 38-39)، مشيرًا إلى أن هذا الإعلان يكشف انتقال الأحداث من مرحلة التعليم العلني إلى التهيئة المباشرة للآلام.
سكب الطيب: محبة تسبق الألم
وأوضح «إسرائيل» أن قراءة الأناجيل تكشف عن محورين رئيسيين لهذا اليوم، أولهما حادثة سكب الطيب التي يوردها القديسان متى ومرقس، والتي تختلف عن واقعة سكب مريم أخت لعازر للطيب على قدمي المسيح، إذ يتعلق الحدث هنا بسكب الطيب على رأس المخلص.
وأكد أن هذا المشهد يحمل دلالة تكريمية ونبوية في آن واحد، إذ يرتبط بتكفين المسيح القريب، ويعبّر عن محبة صادقة سبقت الألم، لافتًا إلى أن الكنيسة تضع هذه الصورة أمام المؤمنين كنموذج للبذل في مواجهة الخيانة.
خيانة يهوذا: تدبير في الخفاء
وتابع أن المحور الثاني، والأكثر ارتباطًا بطابع هذا اليوم، هو خيانة يهوذا الإسخريوطي، الذي اتفق مع رؤساء الكهنة على تسليم السيد المسيح مقابل ثمن، في مشهد يكشف عن تآمر خفي لم يأتِ فقط من الأعداء، بل من داخل دائرة التلاميذ.
وأشار إلى أن هذا الحدث جعل يوم الأربعاء يرتبط في الوعي الكنسي بذكرى المؤامرة والخيانة، ليصبح تذكيرًا مستمرًا بمرارة السقوط حين ينفصل القلب عن المحبة الحقيقية.
المسيح إلى الصليب بإرادة واعية
وأكد الدكتور ماجد عزت إسرائيل أن هذا اليوم يكشف بُعدًا لاهوتيًا عميقًا، وهو أن السيد المسيح لم يكن ضحية أحداث مفاجئة، بل كان عالمًا بكل ما سيحدث، وقابلًا له بإرادته الكاملة.
وأوضح أن المسيح مضى إلى الصليب عن وعي كامل، مسلّمًا نفسه حبًا للبشرية وخلاصًا للعالم، مشيرًا إلى أن صمت هذا اليوم لا يعكس فراغًا في الحدث، بل امتلاءً داخليًا بالاستعداد، وسكونًا ظاهريًا يخفي صراعًا عميقًا بين الحب والخيانة.
رسالة روحية: فحص الموقف الداخلي
واختتم «إسرائيل» حديثه مؤكدًا أن يوم الأربعاء من البصخة المقدسة يجمع بين مشهدين متقابلين: مشهد المحبة التي تسكب الطيب على الرب، ومشهد الخيانة التي تساوم عليه بثمن.
وأشار إلى أن هذا اليوم يحمل دعوة روحية عميقة لكل إنسان لمراجعة ذاته، والتساؤل: هل يقف في صف المحبة والبذل، أم ينزلق إلى خيانة الحق تحت ضغط المصلحة أو الضعف؟
وشدد على أن قراءات هذا اليوم تظل تذكيرًا بأن المسيح، وهو عالم بكل ما سيأتي، مضى إلى الصليب طوعًا، لا مغلوبًا، بل محبًا حتى المنتهى.















0 تعليق