من شريط الأخبار العاجل إلى عاجل يليه، تتحول المآسي إلى سطور مقتضبة، بينما الواقع في الميدان ينزف دمًا. من أطفال فلسطين إلى أطفال لبنان وصولًا إلى أطفال إيران، تتكرر الصورة ذاتها، شعوب تتحمل الكلفة الأكبر، وتدفع إلى واجهة الصراع وقودًا للحروب وأدوات ضغط في حسابات سياسية كبرى.
في اليوم التاسع والثلاثين من الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران، تبدو المنطقة على مفترق طرق خطير، فيما تتسع دائرة التداعيات لتطال الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، وسط تصاعد غير مسبوق في لغة التهديد وتراجع مساحات الثقة.
المشهد الدبلوماسي يعكس حالة ارتباك وتضارب لافتة. بعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي قال فيها إن «حضارة إيران بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا»، أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي تجميد جميع القنوات الدبلوماسية والمحادثات غير المباشرة.
غير أن صحيفة «تايمز الإيرانية» عادت بعد ساعات لتؤكد أن قنوات المحادثات مع الولايات المتحدة «ليست مغلقة».
هذا التباين السريع بين التصعيد والنفي لا يكشف فقط عن صراع رسائل إعلامية، بل يعكس اختبارًا متبادلًا للإرادات في أكثر الساعات حساسية.
كل طرف يسعى إلى رفع سقف التفاوض دون أن يظهر في موقع المتراجع، بينما تبقى أبواب الدبلوماسية مواربة بانتظار ما ستسفر عنه الضغوط المتبادلة.
يبقى مضيق هرمز العنوان الأبرز في الأزمة.إغلاقه أو تعطيله يمثل تهديدا مباشرًا لإمدادات الطاقة العالمية. وقد فشل مشروع قرار بحريني في مجلس الأمن لفتح المضيق بعد استخدام روسيا والصين حق النقض، في رسالة واضحة بأن الأزمة تجاوزت بعدها الإقليمي وأصبحت ساحة تنافس دولي مفتوح.
رفض إيران الاستجابة لأي مسار يفضي إلى فتح المضيق وضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن، التي ترى في حرية الملاحة خطًا أحمر استراتيجيًا لا يمكن التهاون بشأنه.
في واشنطن، رفع الرئيس ترامب سقف التهديد مؤكدًا أنه في حال انتهاء المهلة دون اتفاق «سيشن هجوم لم يروا مثيلًا له»، مع الإشارة إلى أن إحراز تقدم ملموس قد يغير الموقف. تصريحاته تعكس سياسة العصا الغليظة مقرونة بباب تفاوضي ضيق لم يغلق بالكامل.
ومن طهران، جاءت الردود حادة. فقد أكد نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف أن إيران «حضارة عبرت آلاف السنين من الاضطرابات ولن ترتعد فرائصها بترهات ترامب». كما أعلن التلفزيون الإيراني أن وزارة الطاقة مستعدة «لأسوأ السيناريوهات».
وفي موازاة التصعيد السياسي، أعلنت مجموعة هاكرز تدعي «حنظلة» استخراج بيانات تتعلق بالبنى التحتية الحساسة للكهرباء في إسرائيل، في مؤشر على اتساع ساحة المواجهة إلى الفضاء السيبراني.
يواجه البيت الأبيض خيارين أحلاهما مر،إما الانزلاق إلى حرب برية قد تُكبد القوات الأمريكية خسائر جسيمة وتستنزف الحلفاء، أو الذهاب إلى تصعيد نوعي قد يشمل أسلحة ذات قدرة تدميرية هائلة، ما يفتح الباب أمام مواجهة غير مسبوقة في المنطقة.
والحديث عن احتمال استخدام أسلحة دمار شامل حتى لو ظل في إطار التهديد،يعكس مستوى خطورة اللحظة الراهنة ويؤكد أن المنطقة تقف على حافة تحول استراتيجي قد يعيد رسم خرائط النفوذ.
تداعيات الأزمة لا تتوقف عند حدود إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة. أسواق الطاقة ترتجف، سلاسل الإمداد مهددة، والاستقطاب الدولي يتعمق بين محور غربي ومحور روسي -صيني، فيما تتآكل الثقة بقدرة المؤسسات الدولية على احتواء النزاعات الكبرى.
أما دعوات وقف التصعيد، فتبقى حتى الآن بلا أثر حاسم في ظل تمسك كل طرف بمكاسبه الاستراتيجية ومخاوفه الأمنية.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل تتجه طهران إلى فتح ما يوصف بـ«باب الجحيم» تحت وطأة الضغوط القصوى؟ أم أن الرئيس ترامب سيختار تمديد المهلة مجددًا في إطار مناورة تفاوضية تمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة قبل الانفجار الكبير؟
بين لغة التهديد ورسائل التهدئة، وبين إعلان تجميد القنوات الدبلوماسية ثم نفي إغلاقها، تتكثف الساعات المقبلة باعتبارها الأخطر منذ اندلاع المواجهة. المشهد يبدو اختبار إرادات مفتوحًا، حيث يحاول كل طرف تثبيت موقعه دون أن يتحمل كلفة التراجع.
لكن وسط هذا الاشتباك السياسي والعسكري، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة ثابتة لا تتغير،عندما تتصارع القوى الكبرى، تتحول الشعوب إلى خطوط تماس، وإلى أرقام في نشرات الأخبار، وإلى ضحايا لقرارات لا تشارك في صناعتها.
في زمن تتسارع فيه طبول الحرب وتعلو فيه نبرة التهديد فوق صوت العقل، يبرز السؤال الأخلاقي قبل أن يكون سياسيًا: من يملك شجاعة إطفاء النار قبل أن تتحول إلى حريق يلتهم الجميع؟
إن الساعات القادمة لن تكون مجرد محطة عابرة، بل لحظة فاصلة قد تحدد مسار المنطقة ومصير الملايين. فإما أن تنتصر لغة العقل، وإما أن يكتب فصل جديد من الألم في سجل الإنسانية.










0 تعليق