ينظر بعض أصحاب المصانع والشركات إلى تعليمات السلامة والصحة المهنية باعتبارها مجرد أوراق روتينية أو تكاليف مادية إضافية، متناسين أن خطأً واحداً قد يحول المنشأة إلى رماد، أو يُنهي حياة عامل بسيط خرج سعياً وراء رزقه.
هذا الاستهتار لا يمر مرور الكرام في أروقة المحاكم؛ فقد حول المُشرع المصري في قانون العمل مسؤولية تأمين بيئة العمل من مجرد "التزام إداري" إلى "مسؤولية جنائية" تضع صاحب العمل أو المدير المسؤول خلف القضبان وتُغلق أبواب منشأته بالضباب.
ألزم القانون صاحب العمل بتوفير بيئة عمل آمنة ومراعاة معايير السلامة المهنية، كما يحدد مسؤوليات صاحب العمل في الحد من المخاطر التي قد يتعرض لها العامل.
ويشمل القانون الجديد حق العامل في الحصول على أجر كامل أثناء فترة العلاج، والتعويض عن العجز الجزئي أو الكلي الناتج عن الحادث، بالإضافة إلى استحقاق الرعاية الطبية والتأمينات الاجتماعية التي تكفل دعمًا مستمرًفا للعامل المتضرر، كما يفرض القانون عقوبات على صاحب العمل في حال الإهمال أو عدم توفير شروط السلامة المهنية، وتشمل هذه العقوبات الغرامة المالية أو الحبس في الحالات الجسيمة، ما يعكس جدية الدولة في حماية العامل وضمان حقوقه.
حيث يُعاقب صاحب العمل بغرامة تتراوح بين ألف جنيه و20 ألف جنيه (عن المخالفة الواحدة)، وإذا كانت المخالفة تهدد حياة 50 عاملاً على سبيل المثال، فإن الغرامة تُضرب في هذا الرقم، لتتحول إلى مبالغ طائلة تقصم ظهر المنشأة مالياً، وفي حالة الإصرار على المخالفة أو تكرارها، تتضاعف هذه الغرامات تلقائياً.
وينص القانون على أن عقوبتي الحبس والغرامة معاً تصبحان "وجوبيتين" ولا بديل عنهما، إذا أسفر الإهمال عن إصابة عامل بعاهة مستديمة (كفقدان طرف أو حاسة)، أو إذا أدى إلى حالة "وفاة"، هنا، لا يُساءل صاحب العمل أو المدير المسؤول إدارياً فقط، بل يُحاكم بتهمتي "القتل الخطأ" أو "الإصابة الخطأ" الناجمتين عن الإخلال الجسيم بواجبات وظيفته.
بجانب ذلك، لا يحمي القانون المستهترين ولو كانوا من العمال، باعتبار أن بيئة العمل الآمنة هي مسؤولية تضامنية، وقد ألزم القانون العامل بارتداء أدوات الوقاية (كالخوذات، والقفازات، وأحزمة الأمان) التي يوفرها صاحب العمل.
وإذا أثبتت لجان التفتيش أو تحقيقات المنشأة أن صاحب العمل وفر الأدوات ودرب العمال عليها، ولكن العامل "تعمد" خلعها أو إتلافها أو تجاهل التعليمات، فإنه يُعرض نفسه للمساءلة التأديبية القاسية التي تبدأ بالخصم من الراتب، وتصل إلى الفصل النهائي من الخدمة دون تعويض، لكونه يمثل خطراً على نفسه وعلى زملائه.















0 تعليق