في كتاب «حدوتة ع الماشي»، تقدم الدكتورة لميس جابر واحدة من الحكايات اللافتة التي تكشف كيف تختبئ طبقات التاريخ داخل تفاصيل بسيطة في شوارع القاهرة، ففي حي السيدة زينب، وتحديدًا في شارع عبد المجيد اللبان الذي كان يعرف قديمًا باسم «مراسينا» يقف مسجد صغير يعرفه أهل المنطقة باسم مسجد لاجين السيفي، يحمل في طياته قصة تتجاوز حجمه بكثير.
لكن من هو لاجين السيفي؟ اسمه الأصلي حسام الدين الشركسي، وكان أحد مماليك السلطان الظاهر برقوق، بدأ حياته «زردكاشيا»، أي صانعًا للدروع الحديدية التي كان يرتديها المحاربون، وهي حرفة دقيقة تتطلب مهارة كبيرة، ومع مرور الوقت، تنقل بين دوائر السلطة، حتى التحق بخدمة السلطان الملك الظاهر جقمق، حيث عين في منصب «لالا»، وهي كلمة فارسية تعني مربي الأمراء أو المسؤول عن تنشئتهم.
ومع تطور مسيرته، ازداد نفوذه ومكانته، خاصة في عهد السلطان الأشرف قايتباي، حين تولى إمارة الحج والإشراف على «المحمل»، وهو أحد أهم المناصب الدينية والسياسية في ذلك الوقت، وقد عرف لاجين السيفي برجاحة عقله، وقربه من العلماء والمشايخ، فضلًا عن حسن معاملته للفقراء، ما جعله شخصية تحظى بالاحترام والتقدير في عصره.
أما المسجد الذي يحمل اسمه، فتكمن فرادته في تفصيلة معمارية تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها تحمل دلالة عميقة، فقد عثر داخله على عمود يرجع إلى العصر الإغريقي، منقوش عليه صلبان محفورة بعناية، هذا الاكتشاف دفع الباحثين إلى ترجيح أن هذا العمود مر بعدة مراحل تاريخية، إذ كان في الأصل جزءًا من معبد قديم، ثم نقل إلى كنيسة، قبل أن يستقر أخيرًا داخل المسجد.
هذه الرحلة التي قطعها العمود عبر العصور ليست مجرد مصادفة، بل تعكس ظاهرة فريدة تعرف في مصر بـ«التراكم الحضاري»، حيث تتعاقب الحضارات وتترك بصماتها فوق بعضها البعض، دون أن تمحى آثار السابق بالكامل، وهكذا يتحول عنصر معماري بسيط إلى شاهد حي على تاريخ طويل من التحولات الدينية والثقافية.
وربما تكمن قيمة هذا المسجد في بساطته، فهو ليس من المساجد الشهيرة أو الضخمة، لكنه يحمل في تفاصيله خلاصة قرون من التاريخ، من مملوك صعد إلى مراكز النفوذ، إلى عمود إغريقي عبر معبدًا وكنيسة، وصولًا إلى مسجد صغير في حي شعبي تتجسد أمامنا صورة القاهرة كمدينة لا تعرف الانقطاع، بل تعيد تشكيل نفسها باستمرار.
هكذا، تكشف «حدوتة ع الماشي» أن الحكايات الكبرى لا تسكن القصور وحدها، بل تختبئ أحيانًا في زوايا الأزقة، داخل مسجد صغير، أو حتى في عمود صامت، يحمل ذاكرة حضارات كاملة، ويهمس لمن يتأمل: هنا مر التاريخ.


















0 تعليق