ولي الله.. كيف أثرت الحملات الصليبية في مسيرة عبد الرحيم القناوي؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في صفحات كتابها "حدوتة ع الماشي"، تروي الدكتورة لميس جابر قصة أحد أبرز أئمة التصوف في مصر، سيدي عبدالرحيم القناوي، الذي أحب الصعيد وأقفل قلبه على حياة الزهد والتقوى هناك، يشتهر في محافظة قنا بجامعه وضريحه الذي صار مقصدًا للزوار والطلاب الباحثين عن العلم والروحانية.

ولد القناوي في مدينة ترغاي بإقليم سبته بالمغرب حوالي عام 1100م، منذ صغره أظهر تفوقًا في تحصيل العلم، حيث حفظ القرآن الكريم في سن الثامنة، وتوفي والده وهو في الثامنة عشرة، ما ترك أثرًا بالغًا على صحته ونموه الروحي والدته، القادمة من دمشق، حرصت على أن يذهب إلى أخواله في المدينة، حيث استقبله أهل والدته بحرارة وساعدوه على التواصل مع كبار العلماء والفقهاء، قبل أن يعود بعد سنتين إلى ترغاي ليصبح مدرسًا في الجامع الكبير محل والده، ويبدأ بعظ الناس بأسلوب ساحر وجذاب لمدة خمس سنوات.

 

تأثرت حياته بالحملات الصليبية، وبعد وفاة والدته قرر السفر إلى الحج، أثناء رحلته إلى الحجاز مر بالإسكندرية والقاهرة، وأحب هاتين المدينتين، ثم أقام في مكة والمدينة لمدة تسع سنوات، تعلم فيها من علماء الحرمين واعتكف في المسجد الحرام ومسجد المدينة، كما احترف التجارة لكسب رزقه بنفسه.

 

في موسم الحج العاشر، التقى بالشيخ مجد الدين القشيري من مدينة قوص بالصعيد، فأحب أن يرافقه وتعلم منه علوم التصوف، ليعود معه إلى صعيد مصر، بعد عدة رؤى ألحت عليه بترك القوص، انتقل إلى مدينة قنا، حيث التقى بالشيخ القرشي، أحد أولياء الله الصالحين، وأحب جوها الهادئ، فاستقر فيها وخصص وقته للتعلم والتعبد والاعتكاف، متجنبًا الانشغال إلا بالضرورة لكسب قوته من التجارة.

 

كان عبدالرحيم القناوي حريصًا على مساعدة الفقراء، فكان ينفق معظم مكاسبه على الطلاب والضعفاء، بينما كان يعيش حياة زهدية متواضعة، وفي عهد الأيوبيين، وبالتحديد تحت حكم الملك العزيز بالله بن صلاح الدين الأيوبي، عين شيخًا لمدينة قنا، ومن هنا عرف بلقب القناوي.

 

استمر في زاويته الصغيرة في قنا يجتمع فيها كل الناس من مختلف الأقاليم، معلمًا ومربيًا للطلاب والزوار، حتى وفاته عام 592هـ عن عمر يناهز 72 سنة، دفن في نفس الزاوية، التي ما تزال قائمة حتى اليوم بجوار جامع قنا، لتظل شاهدًا حيًا على مسيرة إمام التصوف الذي جمع بين العلم والتقوى والكرم، وترك إرثًا روحيًا وثقافيًا خالدًا في قلب الصعيد.

 

هذا الضريح والجامع اليوم ليس مجرد مكان عبادة، بل رمز لحياة التواضع والورع والاهتمام بالعلم والتعليم، ويظل سيدي عبدالرحيم القناوي منارة تصوفية تلهم الزوار والطلاب على حد سواء، مجسدًا رحلة الإنسان بين المعرفة والتقوى والخدمة الاجتماعية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق