تُعد سرقات التيار الكهربائي في مصر من أكبر التحديات التي تواجه قطاع الطاقة، فهي لا تقتصر على مجرد خسائر مالية، بل تؤثر مباشرة على جودة الخدمة وراحة المواطن، وبحسب أحدث الإحصاءات الرسمية، بلغ إجمالي الخسائر السنوية الناتجة عن الفقد التجاري نحو 50 مليار جنيه، وهو ما يعكس ضياع الموارد الموجهة لصيانة وتطوير الشبكات الكهربائية وتحسين كفاءة الخدمة.
سرقات بـ 19 مليار جنيه في عام واحد
إذ أنه في النصف الأول من العام المالي 2025/2026، تم رصد سرقات بقيمة 19 مليار جنيه، لكن الدولة نجحت في تحصيل 9 مليارات جنيه فقط، ما يعني أن أكثر من نصف الأموال المستحقة فقدت نتيجة التهرب والتلاعب، وهذه الأموال الضائعة كان يمكن أن تُستخدم في تحديث المحطات، تطوير الشبكة الذكية، وتأمين إمدادات الكهرباء للمناطق النائية.
نحو 18% من الفقد في شبكات التوزيع سرقات الكهرباء
من الناحية الفنية، تشكل سرقات الكهرباء نحو 18% من الفقد في شبكات التوزيع، وتسببت في سرقة 1.15 مليار كيلووات/ساعة خلال ستة أشهر فقط، ما يؤدي إلى ضغط غير محسوب على المحولات وارتفاع احتمالات احتراقها، وكذلك انخفاض الجهد الكهربائي في مناطق كاملة، مما يضر مباشرة بالأجهزة المنزلية للمواطنين الملتزمين، ويزيد من تكاليف إصلاحها واستبدالها.
إجراءات الدولة لمواجهة الكهرباء المسروقة
في مواجهة هذه الظاهرة، تبنت الدولة في 2026 سياسة مزدوجة تجمع بين التشريعات الصارمة والحلول التقنية، تم تغليظ العقوبات المالية لتكون رادعة، وتم الملاحقة القضائية المكثفة، بينما تم تركيب أكثر من 2 مليون عداد كودي لتقنين أوضاع المخالفين وضمان محاسبتهم على الاستهلاك الفعلي، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو الحد من الفقد التجاري.
كيف أثرت السرقة على المواطن الملتزم؟
الخسائر المالية والفنية الناتجة عن هذه السرقات لها انعكاسات واضحة على الجيب المصري، حيث تضطر الدولة لرفع أسعار شرائح الكهرباء لتعويض الفجوة المالية الناتجة عن السرقات، على سبيل المثال فقد شهدت بعض شرائح الكهرباء مؤخرًا زيادات تصل إلى 17%، وهو ما يضع عبئًا إضافيًا على المواطنين الملتزمين بدفع فواتيرهم كاملة، وإضافة إلى ذلك، يزداد استهلاك الغاز الطبيعي والمازوت لتشغيل محطات الكهرباء لتغطية الاستهلاك غير القانوني، ما يستلزم استيراد شحنات وقود إضافية بالعملة الصعبة، وبالتالي ارتفاع تكلفة الوقود والطاقة بشكل عام في السوق المحلية.
لا تقل الآثار الاجتماعية لهذه الظاهرة أهمية عن آثارها الاقتصادية، فالمواطن الملتزم يدفع الثمن مزدوجًا ارتفاع الأسعار وانخفاض جودة الخدمة، كما تتعرض الشبكة القومية لضغط مستمر، مما يؤدي إلى انقطاع الكهرباء المتكرر في بعض المناطق، وهو ما يزعج الأسر، يعرقل سير الأعمال، ويزيد من تكاليف الحياة اليومية.
بجانب ذلك، فإن سرقات الكهرباء تؤدي إلى اضطراب خطط الدولة في ترشيد استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات، وهو أحد أهداف مصر الرئيسية ضمن برامج التنمية المستدامة، كل كيلووات يُسرق يمثل تكلفة إضافية، ويزيد من اعتماد الدولة على استيراد الطاقة، ويجعل المواطن البسيط ضحية مباشرة لهذه الظاهرة.
لذا فإن سرقات الكهرباء لا تعتبر فقط مجرد مخالفة فردية، بل أزمة وطنية متكاملة الأبعاد مالية، فنية، واجتماعية، كل رقم مفقود في هذه السرقات يساوي تكلفة إضافية على المواطن، استنزافًا للموارد، وانعكاسًا سلبيًا على جودة الخدمة، مكافحة هذه الظاهرة أصبحت ضرورة عاجلة لضمان استقرار الشبكة القومية، حماية الاقتصاد المصري، وتخفيف العبء عن المواطن الملتزم.














0 تعليق