يظن بعض ضعاف النفوس ممن يجلسون على كراسي المسؤولية أن "الوظيفة الميري" أو المنصب العام هو إقطاعية خاصة ومفتاح سحري لتكوين ثروات طائلة في الخفاء.
ولكن في ظل استراتيجية الدولة لعام 2026 بـ "اللا تسامح" مع الفساد، لم يعد هناك حصانة لأحد، وأصبح سقوط هؤلاء المديرين أو الموظفين مسألة وقت تنهيها ضربات الأجهزة الرقابية.
لم يكتفِ المُشرع المصري بتجريم الرشوة المباشرة، بل لاحق ما يُعرف بـ "الرشوة المقنعة" أو "جريمة التربح".
نستعرض في هذا التقرير كيف يوجه قانون العقوبات ضربات قاضية ومزدوجة لكل من تسول له نفسه استغلال الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب شخصية.
وهم السلطة.. ماذا تعني جريمة "التربح" قانوناً؟
لا يشترط القانون أن يتقاضى الموظف "حقيبة أموال" ليُدان؛ فجريمة التربح واستغلال الوظيفة (المادة 115 من قانون العقوبات) تقع بمجرد انحراف الموظف بمسار وظيفته لخدمة مصالحه أو مصالح معارفه. وتتحقق الجريمة في أشكال مستترة منها:
التلاعب في كراسات الشروط وإرساء العطاءات أو المناقصات الحكومية على شركة بعينها مقابل "عمولة" أو نسبة في الأرباح.
استغلال النفوذ لتسهيل الاستيلاء على أراضي الدولة أو تمرير تراخيص مخالفة للقانون.
تحقيق ربح غير مشروع من خلال تسريب معلومات الوظيفة لجهات خارجية للاستفادة منها تجارياً.
الضربة الأولى: السجن المشدد (نهاية الحرية)
يتعامل القانون مع "تاجر المنصب" كخائن لأمانة الوطن، ولذلك أخرج هذه المخالفات من دائرة الجنح البسيطة ووضعها في صدارة "الجنايات" الكبرى.
بمجرد إثبات تورط الموظف في التربح من وظيفته، يواجه عقوبة السجن المشدد، والتي تتراوح مدتها من 3 إلى 15 عاماً خلف القضبان، بحسب جسامة الضرر الذي ألحقه بالمال العام وتكييف المحكمة للقضية.
الضربة الثانية: التجريد المالي (لن تفلت بقرش واحد)
يعلم المُشرع أن الفاسد قد يقبل بالسجن إذا ضمن أن ثروته المحرمة بانتظاره بعد قضاء العقوبة. لذا، جاءت المادة (118) لتسدد ضربة قاصمة للذمة المالية للجاني، وتتمثل في:
غرامة مساوية للحلم الزائف: يُحكم عليه بغرامة مالية ضخمة تتطابق تماماً مع قيمة الربح الذي حققه (أو حتى الربح الذي كان يحلم بتحقيقه وتم إحباطه).
الرد الوجوبي: يُجبر الجاني على رد كل مليم استولى عليه إلى خزانة الدولة، مما يعني خروجه من السجن "مُفلساً" ومُجرداً من أي مكسب غير مشروع.
الضربة الثالثة: العزل الفوري (الفضيحة المهنية)
الوظيفة العامة تتطلب "حسن السمعة"، وبمجرد صدور حكم الإدانة، يُفعل القانون العقوبات التبعية الوجوبية.
يُحكم فوراً بـ العزل من الوظيفة الحكومية، وتجريده من كافة صلاحياته.
الأقسى من ذلك، أن هذه الإدانة تُسجل كوصمة عار في صحيفته الجنائية (جريمة مخلة بالشرف والأمانة)، مما يمنعه من تقلد أي منصب عام أو حكومي طوال حياته.
رجال الأعمال والوسطاء في نفس القفص
رسالة القانون واضحة: "لا فاعل أصلي بدون شريك". إذا اعتقد المقاول أو المستثمر أو "الوسيط" الذي قدم العطية وسهل للموظف استغلال نفوذه أنه في مأمن، فهو مخطئ.
يُقدم هؤلاء الشركاء إلى المحاكمة الجنائية ليقفوا بجوار الموظف الفاسد في قفص واحد، ويواجهون ذات العقوبات المشددة باعتبارهم شركاء في نهب مقدرات الدولة.














0 تعليق