لا يستطيع أحد أن يجيب بشكل قاطع عن السؤال: متى بدأ الكذب فى تاريخنا البشرى؟ لكن الفيلسوف والناقد الفرنسى جاك دريدا يحاول الإجابة عن ذلك فى كتابه «تاريخ الكذب».
ويبدأ بأن علينا أن نضع حدودًا صارمة بين الخطأ والكذب، فأنت قد تخطئ وتدلى بمعلومات غير صحيحة لكن بحسن نية، وهذا خطأ، أما الكذب فيرتكز على أنك عن قصد تدلى بمعلومات تعلم مسبقًا أنها غير سليمة.
فهناك- كما يفترض دريدا- علاقة جوهرية بين الكذب والقصدية، ويستشهد الكاتب بما قاله المفكر الفرنسى جان جاك روسو من أنه إلى جانب الكذب يوجد التدليس والافتراء، ويوجد كذب لا يلحق الأذى بأحد، أى ما نسميه الكذب البرىء.
ويشير فى ذلك السياق إلى استحالة الكذب على الذات، لأنه لا يمكن للإنسان أن يقول لذاته عن قصد أشياء غير التى يفكر فيها! ثم ينتقل الكاتب من الكذب البشرى ودوافعه الثقافية والقومية المختلفة إلى الكذب فى السياسة، معتمدًا على دراسة الكاتبة «حنة أرندت» التى نشرت فى صحيفة نيويورك ريفيو، عام ١٩٧١ بعنوان «السياسة والكذب.. تأملات فى وثائق البنتاجون».
أما وثائق البنتاجون هذه فكانت تتعلق بالسياسة الأمريكية فى فيتنام منذ نشأة الحرب حتى ١٩٦٨، وتحدثت حنة أرندت عن الأشخاص الذين تم تكليفهم بجمع تلك الوثائق لنيويورك تايمز، فقالت: «إن التصريحات الكاذبة والخداع قد تحولا فجأة إلى هوة عميقة» وأبدت «أرندت» قلقها العميق من التنامى المفرط للكذب فى عالم السياسة وبلوغه الحد الأقصى: كذبًا مطلقًا.
ومن هذه المقالات يمكن التوقف عند نموذجين آخرين هما شارل ديجول، الذى ادعى أن فرنسا خرجت منتصرة من الحرب، ومن ثم يجب اعتبارها قوة عظمى! أما الثانى فهو المستشار الألمانى أديناور صاحب الادعاءات المشابهة.
ويقول «دريدا» إن الكذب اتسع وترسخ فى الإعلام والسياسة، وكانت الأمور فى ما مضى تتعلق بأكاذيب صغيرة، مثل إخفاء حقيقة أن الأميرة تتجول مع شباب كثيرين، أو أن الحاكم قد تلقى رشوة من بلد آخر، لكن الكذب الآن انتقل ليصبح جزءًا ثابتًا من الإعلام، ليس لكى يخفى شيئًا، لكن لكى يعمم نظرة ما، أو ينشر تصورًا ما.
وقد زادت خطورة الكذب خاصة بعد الانفجار التقنى فى وسائل الاتصال والإعلام، بما أصبح يمكن من السيطرة على النظرة العامة لجمهور واسع.
كتاب «تاريخ الكذب» ترجمة رشيد بازى ٢٠١٦ المغرب المركز الثقافى العربى.

















0 تعليق