أكدت الدكتورة سهر الدماطى، الخبير الاقتصادى والمصرفى، متانة القطاع المصرفى المصرى، وقدرته على امتصاص الأزمات الخارجية المستوردة، وآخرها تداعيات الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران.
وقالت الخبيرة الاقتصادية والمصرفية، فى حوارها مع «الدستور»، إنه رغم تذبذب الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الدولار والبترول بسبب الحرب، البنوك المصرية قادرة على عبور الأزمة، مؤكدة أن هذه البنوك أثبتت صلابة عبر سنوات من التعامل مع أزمات متعددة، مثل أزمة نقص العملة فى ٢٠١٦، والحرب الروسية - الأوكرانية، والأزمة الاقتصادية فى ٢٠٢٢.
وتناول الحوار كذلك تأثير الحرب على أسواق الطاقة والتصدير والاستثمار الأجنبى، وخطط الحكومة فى إدارة الطروحات والصادرات، مع توضيح أفضل أدوات الاستثمار للمواطنين فى ظل هذه الظروف.
■ كيف أثرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على استقرار القطاع المصرفى؟
- القطاع المصرفى متماسك جدًا، ونجح فى تجاوز العديد من الأزمات. نتذكر جيدًا المشاكل التى مر بها الاقتصاد فى عام ٢٠٢٢، وما تبعها من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وقبلهما أزمة نقص العملة فى ٢٠١٦. القطاع المصرفى لديه القدرة على امتصاص أى مشاكل ناتجة عن الأزمات العالمية.
وبالنسبة للحرب الأخيرة فى الشرق الأوسط، تأثيرها بدأ يخيم على المؤسسات المُدرِة للعملة، وهو ما أدى إلى ارتفاع سعر الدولار من ٤٧ إلى ٥٤ جنيهًا فى الوقت الحالى، مع الإشارة هنا إلى أن قيمة الدولار ارتفعت أمام كل العملات، وليس الجنيه المصرى فقط.
يعود ذلك فى الأساس إلى توقف حركة الإيرادات الواردة من قناة السويس، وتوقف الاستثمار المباشر وغير المباشر، بعدما أصبحت منطقة الشرق الأوسط ككل غير مناسبة لأى مستثمر أجنبى، علاوة على تراجع معدلات السياحة بسبب المشاكل الجيوسياسية، والتأثير السلبى على قطاع التصدير. وبينما تبقى تحويلات المصريين من الخارج أحد أهم مصادر النقد الأجنبى فى فترات الحروب، لا يمكنها أن تحافظ على توازن الاقتصاد بمفردها.
■ هل ترين أن قرار البنك المركزى الخاص بالفائدة مناسب لهذه المرحلة؟
- البنك المركزى المصرى كان لا يملك ألا السير فى اتجاهين، الأول هو تثبيت سعر الفائدة، فى ظل ضبابية المشهد العام، سواء إقليمى أو عالمى، واستمرار الحرب الدائرة فى منطقة الشرق الأوسط بدون مفاوضات حقيقية، وارتفاع أسعار البترول الذى أثر على مصاريف الشحن وأسعار التأمين، وهو ما ينعكس بدوره فى ارتفاع أسعار السلع والمنتجات. أما الطريق الآخر، وهو رفع أسعار الفائدة، فهو طريق احترازى. وبين الاتجاهين أميل أنا إلى التثبيت.
■ لماذا تفضلين تثبيت سعر الفائدة حاليًا؟
- تثبيت سعر الفائدة قرار مهم فى الوقت الحالى، لأن الموقف الجيوسياسى غير واضح إطلاقًا، وكل المؤشرات تستبعد نجاح المفاوضات الدائرة لوقف الحرب، مقابل توقعات باستكمال الحرب. كما أن مصير مضيق «هرمز» مُبهم، ولا أحد يعرف مسار المفاوضات خلال الفترة المقبلة، وهو ما ينعكس اقتصاديًا على كل الدول وليس مصر فقط.
■ هل تعتقدين أن أسعار البترول العالمية ستعود إلى سابق عهدها؟
- بالطبع ستعود إلى نفس مستويات الأسعار عند ٦٠ و٦٥ دولارًا. الأسعار الحالية ما هى ألا تأثر مباشر بوضع استثنائى، وعندما تهدأ الأوضاع ستعود الحياة الاقتصادية العالمية إلى طبيعتها، بما فيها أسعار الشحن والتأمين، مع انخفاض أسعار النفط والغاز، خاصة أن الشركات ملتزمة بتوريد الكميات المتفق عليها قبل وأثناء وبعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية - الإيرانية.
■ ما أسباب أرتفاع سعر الدولار أمام الجنيه؟
- تراجع إيرادات قناة السويس، وتراجع إيرادات السياحة بعد أن كانت قد وصلت إلى ٢٥ مليار دولار، وتراجع التصدير بسبب ارتفاع فاتورة الشحن، وما أتبعه من ارتفاع قيم التأمينات وعقودها محليًا وعالميًا، إلى جانب توقف الاستثمار المباشر، وتراجع معدلات «الأموال الساخنة»، وتأثر تحويلات المصريين فى الخارج.
تُضاف إلى كل هذه العوامل مرونة الطلب والعرض الخاص بالدولار الأمريكى، وتطبيق سياسة السعر التوازنى المرن لهذه العملة الأمريكية المهمة، وبالتالى كلما تراجع عرض الدولار زادت قيمته السعرية أمام العملة المحلية.
■ هل «الأموال الساخنة» ضمن القطاعات المتضررة من حرب الشرق الأوسط؟
- قبل عام ٢٠٢٢، كانت «الأموال الساخنة» ملفًا يعانى العديد من المخاطر الاستثمارية، وعندما تولى حسن عبدالله منصب محافظ البنك المركزى اتخذ قرارين مهمين، الأول هو توظيف هذه الأموال فى مشروعات وقطاعات قصيرة الأجل بخلاف ما كان يحدث فى السابق، حيث كانت توجّه هذه الأموال من قبل إلى قطاعات طويلة الأجل أو بنية تحتية، وبالتالى كان تأثيرها سلبيًا. والقرار الثانى كان خروج هذه الأموال بنفس قيمة العملة الصعبة وقت الخروج، وبالتالى تمت تغطية فارق السعر. ونعم، هى من القطاعات المتضررة بالحرب الدائرة.
■ ماذا عن تأثير الحرب على استكمال برنامج الطروحات الحكومية، خاصة صفقة بنك القاهرة؟
- البورصات فى العالم كله تعانى حاليًا من توترات جذرية بسبب تذبذب الوضع الاقتصادى الذى ينعكس على أدائها بطبيعة الحال. بالتالى معيار القيمة العادلة عند إطلاق أى سهم سيكون غير مُفعّل. والسؤال هنا: هل الفترة الاقتصادية الاستثنائية الحالية مناسبة لطرح أى سهم جديد؟ ومن المستثمر الذى يملك شجاعة خوض تجربة شراء أو تقدير قيمة سهم فى فترات عدم وضوح رؤية الاقتصاد عالميًا وإقليميًا؟
بالتالى أعتقد أن هذه الفترة الاقتصادية الحرجة غير مناسبة إطلاقًا لطرح أى أسهم جديدة، سواء كانت أسهم بنك القاهرة أو غيرها، وذلك لحين استقرار الأسواق، الذى يمكننا من تقدير القيمة العادلة لسعر السهم.
■ هل تأثرت أرباح البنوك المدرجة فى البورصة المصرية من أحداث الشرق الأوسط؟ وهل ستتأثر أموال المواطنين العاديين؟
- كل البورصات متأثرة بالفعل بما يحدث عالميًا وإقليميًا، سواء كانت شركات أو حكومات أو حتى مواطنين. أما عن أرباح البنوك، فأزمة الحرب فى الشرق الأوسط لا تمثل أزمة جديدة على المصارف المصرية، التى واجهت الكثير من المشاكل العالمية على مدار عقود طويلة، ونجحت فى الوقوف والتصدى لها، بل وعبورها بسلام، دون تأثر القطاع وبدون تحقيق خسائر كبيرة.
السبب فى ذلك الإصلاحات التى قامت بها البنوك ودعمت موقفها طوال الـ٥٠ عامًا السابقة، فضلًا عن قوة البنك المركزى المصرى، ووجود كفاءات إدارية على أعلى مستوى، علاوة على كفاءة معدلات رأس المال، التى تعتبر من أعلى معدلات الكفاءة عالميًا، وتبلغ نسبتها ١٩٪.
كذلك توجد فى مصر إدارة سيولة فى منتهى الحزم، تتمتع بالقوة المالية القادرة على إدارة أى أزمة، والدليل نجاح مصر فى الخروج من أزمة ٢٠٢٤، التى عانى فيها الاقتصاد المحلى من تفاوت الأسعار بشكل مبالغ فيه، ورغم ذلك تماسكت أرباح البنوك، وخرجت صلبة وقوية، بل وحققت أرباحًا قوية.
هل تتسبب الحرب القائمة فى هز عرش الدولار الأمريكى؟
- عرش الدولار اهتز بالفعل فى الولايات المتحدة والعالم كله، والنظام المالى العالمى الحالى تغير بالفعل، لكن يجب الانتظار قليلًا للوقوف على خريطة التحولات العالمية الاقتصادية الجديدة، لأن قصة التحول العالمى أكبر من كونها حربًا قائمة فى منطقة الشرق الأوسط.
الدليل على ذلك أن الصين نجحت فى تنفيذ نظام بديل لـ«السويفت»، ولكن بنسبة لم تتعدَّ الـ١٪. هذه التجربة التى تمت بالفعل قبل الحرب كانت مؤشرًا لمدى قدرة العالم على التحول. وعمومًا الصين الدولة الوحيدة القادرة على ذلك، لأنها دولة منتجة، تحتل المكانة الأولى عالميًا فى الإنتاج، ولديها علاقات اقتصادية ومراكز اقتصادية قوية مستمدة من الداخل. والقطاع المصرفى العالمى والمحلى أيضًا ينتظر «قنبلة» فى العام المقبل، هى «الذكاء الاصطناعى». ولا أتحدث هنا عن «الشات جى بى تى» ولا خوادم البحث الذكى التى تعمل حاليًا، وإنما على النسخ التكنولوجية المتطورة من «الذكاء الاصطناعى» التى تقوم بنفس الأدوار البشرية حتى فى اتخاذ القرارات والتنفيذ العملى.


















0 تعليق