أسرار التماثيل في الحضارة المصرية القديمة لا تنتهي، فكل قطعة أثرية تحمل بين تفاصيلها ألغازًا تتجاوز حدود الفن إلى عمق العقيدة والطقس، ومن بين هذه الكنوز، يبرز تمثال المعبود "أوزيريس"، أحد أهم رموز البعث والخلود في المعتقد المصري القديم، والذي لم يكن حضوره مجرد تمثيل رمزي، بل تجسيد حي لفكرة الحياة بعد الموت.
لكن المفاجأة هذه المرة لا تتعلق بشكل التمثال أو هيئته، بل بما جاء من نقش على جسده، يفتح بابًا جديدًا لفهم الطقوس الجنائزية والأبعاد الروحية التي أحاطت بعبادة أوزيريس في مصؤر القديمة.
ونستعرض في التقرير التالي، حكاية تمثال المعبود "أوزيريس" وما يكشفه من أسرار حول المصريين القدماء.
من هو المعبود أوزيريس؟
ووفقًا للمتحف المصري بالتحرير، يعد "أوزيريس" أحد أهم المعبودات في المجمع الإلهي المصري، وقد لُقب بـ "خنتي أمنتي" (إمام الغربيين)، في إشارة إلى رئاسته لعالم الموتى بجهة الغرب، ترتكز أسطورته المحورية على الصراع بين الخير والشر؛ حيث تعرض للغدر والقتل على يد أخيه "ست" الذي قام بتمزيق جسده ونثر أشلائه في أقاليم مصر المختلفة.
وبفضل إخلاص زوجته الأرباب "إيزيس"، تم استرداد أجزاء جسده، وبواسطة قواها السحرية وعملية التحنيط الأولى، عاد أوزيريس للحياة في العالم الآخر، ليُنجب ابنه "حورس" (الذي رُمز له بالصقر) ليكون منتقماً لأبيه ووارثاً للعرش.
نص طقسي على جسد "أوزيريس" يكشف مفاجأة
يكشف نص طقسي (صيغة تقديم القرابين) باللون الأصفر، المنقوش على جسد "أوزيريس" ضمان توفير المؤن والاحتياجات اللازمة للمتوفى في العالم الآخر، مما جعله ذو قدرة خارقة على الخصوبة وتجدد الطبيعة.
ويُظهر هذا التمثال الأثري المصنوع من الخشب، والمكتشف في منطقة الدير البحري، تمثيلاً دقيقاً لأوزيريس بخصائصه الأيقونية الفريدة، منها لونه الأخضر: حيث يظهر وجه المعبود باللون الأخضر، وهو لون يرمز في الفكر المصري إلى الخضرة وتجدد الحياة، تماماً كما ينمو الزرع من طمي النيل.
كما أن هيئة التمثال، تظهر أن الجسد ملفوفاً بلفائف بيضاء تحاكي هيئة المومياء، مع تصوير القدمين جنباً إلى جنب ككتلة واحدة، مما يعزز جانبه الجنائزي.
وأيضًا تبرز الشارات الملكية، في التمثال، حيث يرتدي المعبود "اللحية المستعارة" الزرقاء وتاج "الآتف"؛ وهو مزيج بين التاج الأبيض (رمز الصعيد) يكتنفه ريشتان من ريش النعام. وقد استُخدم اللون الأصفر في التاج والتفاصيل الزخرفية ليتناغم مع لون القاعدة.
ويشار إلى أن الجمع بين قدرة أوزيريس على الخصوبة (تجدد الطبيعة) وصفته كرب للموتى، جعله رمزاً مطلقاً للبعث، وكان وجود تمثاله في المقبرة بمثابة "ضمانة سحرية" للمتوفى، فمن خلال التماهي مع أوزيريس وتقليد مظهره المومياوي، يأمل المتوفى في نيل الحياة الأبدية والانتصار على الفناء.

















0 تعليق