إن اعتليت الصخرة الشامخة فوق نهاية الطريق البعيد عن المدينة، ذلك الأسفلت النائى عن كل حياة، فستلقى بامتداد نظرك صحراءً حارقةً، وسماءً معفرةً، وهواءً ساخنًا، ثم عليك أن تستخدم منظارًا ضخمًا؛ حتى تلمح ثلاث نقاط صغيرة سوف أخبرك حالًا أنها لثلاثة أشخاص جمعتهم تصاريف الحياة، وربما يجمعهم قدرُ الموت فى أقرب وقت.
رغم انعزالهم عن المدينة الصاخبة، ارتبطت حيواتٌ متعددة بحيواتهم المشرفة على نهايتها، ولاح فى الأفق حزنٌ قادم وصراخٌ ونحيب، وربما صمتٌ موجع.
جائزٌ أنه فى زاوية ما من زوايا المدينة الأم، نما غضبٌ مكتوم أو صاخبٌ لاختفاء أحدهم، من المحتمل أن تظهر أحزانٌ سطحيةٌ أو عميقة لاختفائهم جميعًا؛ لا نعرف.
كما أننى أرجح أن نسمع عن عتاب لم يكتمل، أو مشاجرة عائلية لم يُقدّر لها أن تبدأ، لكننا نعلم يقينًا أن هناك على البُعد منهم يوجد طعام قد برد وماء قد فتر وهواء قد ثقل، وإن وصلتنا أنباء عن شخوص فرحة باختفاء واحد منهم فلن نندهش، إنها الحياة بتعقيداتها.
من الممكن أنّ أحداثًا كثيرةً لم تكن لتحدث؛ لولا اختفاء هؤلاء الرجال الثلاثة لثلاثة أيام متعاقبة.
■ ما تراءى للمهندس «عبده» داخل رأسه وما ذكره لرَفيقيه فى التيه بلسانه:
«شيئان فقط أعرفهما عن نفسى: لا يحبنى أحد، وسأموت غدًا».
هذه الجملة تحركت فى رأسى ذهابًا وإيابًا، تكررت مرادفاتها ومعانيها مرارًا، فالانتظار لعنة لا تصيب سوى الحالمين، تمتص أحلامهم؛ أفكارهم، وما فى قلوبهم، قطرة قطرة.
أمّا عنّا فنحن منتظرون منذ فترة ليست بالقصيرة، انتظرنا قطرات ماء أو كسرات خبز جافة، انتظرنا صوتًا أو حركةً حيةً تُنبئنا عن أمل قد اقترب. لكن شيئًا مما انتظرناه لم يصل، فكان علينا الموت سوية أو فرادى متتابعين، كان علينا الموتُ صامتين قانعين بما ارتضته لنا المقادير.
ثلاثة أيام بلياليها مرت علينا كأعوام بلا نهاية، فالزمن مقطوع هنا مثله مثل الطعام والشراب، بينما ما زلنا نتنفس، لكنه تنفُس المقاربين للرحيل؛ رتيب ثقيل يُمهد للنهاية التى لا يعرف أى منّا موعدها، بينما صرنا متأكدين من اقترابها.
هل مرّ الزمن سريعًا أم أننى تكاسلت واستكنت لحياة الإثم والخطأ؟ قررت مئة مرة أن أتوقف عن أفعالى الغريبة هذه، بل ألف مرة، ولم أتوقف أبدًا. فأى توبة تُقبل منى هنا والآن حين أنتظر النهاية وأعرفها؟! فات وقت الندم يا «عبده» ولم يعد أمامك إلا أمنيات الرحمة والمغفرة، فاطمع فى كرم ربك واستكن راضيًا بما قسمه لك.
منذ شهرين حلمت فى يقظتى وفى نومى بنهاية أبى، تمنيت الخلاص منه؛ لأحصل على حقى من ثروته التى طالما استمتع بها وحده دون أن ينالنى إلا الفتات، رسمت خططًا لكننى تراجعت عنها؛ بسبب قلة حيلتى وجبنى الواضح الذى شببت عليه، فآثرت أن أطمح لنهايات يضعها القدر دون تدخل منى، فلا أنا بالصامد القادر على تحمل الاستمرار فى هذه الحياة المقيتة، ولا أنا بالقوى الذى تواتيه الشجاعة لتنفيذ ما يرجوه ويتمناه.
تساءلتُ مرارًا لم لا ينهار قلبُه المتهالك فيريحنى ويريح نفسَه من ولدٍ يمقت أباه؟ ثلاثُ عمليات فى القلب وواحدة فى العمود الفقرى، بينما العجوز لا يزال يتكئ على عصاه ويلوح بها فى وجوهنا.
أمّا عنها، فرغم أنها أضعفُ المتضررين من طباعه وتصرفاته، تحمّلته وتحمّلتُ شدّة عنفه وبخله فوق الثلاثين عامًا دون أن تشكو أو تتذمر، دون أن يرتفع صوتها عليه ولو مرة واحدة. سارت جاهدةً فى طريقِ أمٍ لا ترى أمامها غير أسرتها التى يجب أن تحافظ على استقرارها ولو على حساب حياتها كلها.
بادَلَتْ أمى حياتها بحياتى، ودفَعَتْ سعادتها وراحةَ بالِها مقابل أن أحصل على حياة حقيقية مستقرة؛ فخسرتْ هى الرهان وبارتْ تجارتها.
لكنها استراحت منه ومن عذابه وتركتنى عاريًا من كل سند أواجه قسوته وحدى. رحلتْ فجأة ولم تمنحنى إلا ذكرى وجهها الذى لا يحمل ابتسامًا ولا عبوسًا، عاشت محايدة وماتت محايدة بوجه مسالم.
حتى فى اللحظة التى تخيّلت أننى سأنتصر عليه فيها؛ بعد تخرجى فى الجامعة وحصولى على الوظيفة فى شركة كبرى، احتجت له ولجأت إليه صاغرًا كى يضع فى يدى نقودًا تكفينى أول شهر قبل قبض راتبى. نظر لى بتهكم واستعلاء كعادته معنا جميعًا، أذلّنى بنظراته دون كلمة واحدة، كنت متأكدًا أنه يعرف عن سرقتى لبقاياه التى يتركها عمدًا على المنضدة أو فى جيوب جلبابه القديم، ذلك الجلباب الأصفر المُبقّع المعلق منذ الأزل خلف باب غرفته؛ وكأنه يتركه معلّقًا فقط ليضع فيه المبالغ الضئيلة التى يعلم أننى سأستولى عليها، لا يسأل عنها أبدًا، ولا يكف عن وضع نقود أخرى عوضًا عنها، حتى يستمتع بنظرته القاسية نحوى.
رب اغفر لى ذنبى؛ فأنت تعلم احتياجى وقسوته.
لا أنسى اليوم الذى اكتشف فيه المجلات فى غرفتى، قبض على شعرى كمن يريد اقتلاعه من جذوره، ثم سحبنى كالبهيمة نحو الحمّام، حلق لى شعرى حتى جذوره، ثم وضع الشعر الدامى من ضربات شفرة الحلاقة على الرأس فوق المجلات؛ وأحرقها. ما زالت رائحةُ احتراقِ الأوراقِ الملساء المختلطة برائحة شياط الشعر ساكنةً فى أنفى، تمنعنى من استعذاب أى رائحة جميلة، تمنعنى حتى من التنفس أحيانًا.
ظللت بعدها أطيل شعر رأسى ولحيتى ولا أقصه أبدًا، لا أهذبه حتى. أرفض أن يلمس شعرى مقص أو شفرة.
أعرف جيدًا أننى أخطأت كثيرًا، زللت وارتكبت الآثام والمعاصى، لكن كل هذا كان نتيجة منطقية لما فعله معى، إنه السبب الأساسى فيما ارتكتبه من جرائم وذنوب، لكننى أعرف آسفًا أن تصرفاته معى ليست هى السبب الوحيد؛ فأنا متأكد أننى كنت أحب فعل ما أفعل، طالما استمتعتُ وابتسمتُ مزهوًا كل مساء بعد اكتمال جريمتى اليومية. يا الله.. الرحمة فقط.
ورثت طوله وشعره المجعد وأنفه المستقيم، ورثت قسوته ولا مبالاته بالآخرين، حتى يقطع علىّ أى تفكير فى كونه ليس أبى البيولوجى، إنه أبى وأنا منه ومثله.
لا أعرف ماذا سأفعل إن نجوت من تلك الميتة البشعة، الموت عطشًا وجوعًا، لكننى قررت هذه المرة- وهذا قرار صادق ليس ككل مرة- ألّا أعود لحياتى السابقة أبدًا، سأبدأ من جديد، سأنسى كل ما فعلت وأغسل عقلى وروحى من كل الدنس السابق ولن أكرره، فلتسامحنى يا أبى حتى أستطيع أن أسامح نفسى.
■ ما فكّر فيه المهندس الخمسينى «ياسر» ولم يُضمره فى ذاته، بل جرى على لسانه سريعًا لرفيقى الموت القريب:
إنّ ما أخبرتنا به يا «عبده» ليس كل الصدق وليس كل الحقيقة، فلتعلما يا رفيقَىَّ أن حديثنا الآن إمّا أن يكون مكاشفة ورفعًا للأغطية أو صمتًا تامًا.
ربما تندهش حين تعلم أننى أعرف عنك كل ما أخبرتنا به، كما أعرف الكثير مما لم تبح به، وأنت لم تبح سوى بالقليل يا رفيقى، اعلم أنّنى وأباك صديقان منذ سنوات طفولتك، لم يكف لحظةً عن الحديث عنك حبًا وامتنانًا، ولم أفهم أبدًا حلًّا لمشكلاتك التى لا تنتهى وأخطائك التى لا تكف عن تكرارها. كان الرجل يريدك أفضل منه، كان يريدك رجلًا بحق، انتبه يا رفيقى لأنك لم تذكر بداية الأزمة ولا ذروتها، فاستقم واعترف، أو اصمت.
أرى عينيك تشعان ببريق الكراهية نحوى، كراهية طالما طالت كل من حولك، وأعلم يقينًا أنك تُحدّث نفسك الآن عن طريقة لردعى وإسكاتى، ولكن هيهات أن يقوى أحدنا على العراك يا عزيزى، فجسدانا أقرب للموت منهما للحياة.
(هنا تحرّك «يوسف» بطيئًا ليلقى بجسده بينهما بتثاقل قبل أن تبدأ معركة لا جدوى منها، لكّن ذراع «عبده» كانت قد امتدت فعليًا وتناول بها حجرًا صغيرًا قذفه نحو «ياسر»، فلم يصبه لاهتزاز الذراع من الجوع والوهن، صمت «ياسر» عن الاسترسال فى كشف عورات رفيقه المخفية، وأرخى «عبده» رأسه على صدره خجلًا، بينما ضحك «يوسف» من هوان أجسادهم، قائلًا إنّ الإنسان بلا جسد يقظ ليس أكثر من غبار. ضحك الثلاثة فى مرارة، وأسندوا أجسادهم المرهقة فوق رمال الصحراء اللا نهائية، ثم أكمل «ياسر» حديثه مبتعدًا عن ذكر ما يعرفه عن «عبده»).
أثق أنها ستكون أعجوبة كبرى إن منحتنى الحياة فوق ما أخذت منها، فها أنا بينكما الآن أثق أننى اكتفيت منها. تذوقت وجرّبت مسارات كنت أحلم بمجرد الاقتراب منها أو رؤيتها من بعيد، سافرت بعيدًا وقريبًا، استمتعت بصداقات وعلاقات دائمة ومؤقتة، طالما تجمّلتُ بمنح ما تملكه يداى لمن حولى ودعمهم قدر ما استطعت، وطالما أخذت منهم راضيًا شاكرًا، قرأت آلاف الكتب والمقالات والصحف، فعرفت طعم ما لم أذقه وشممت رائحة ما لم يعبر أنفى، شاهدت مئات الأفلام وشنّفت أذنّى مئاتُ الأغانى، فعشت حضارات السابقين وتطورات اللاحقين، وها أنا الآن قد انتُزِع منى كل ما كسبت.
■ لكننى راضٍ قانع بالنهاية.
هل أنا راض فعلًا بمثل هذه النهاية التعيسة بعد كل هذه التجارب؟ هل أكذب على نفسى ليسكن عقلى وتهدأ أفكارى؟ لا أعرف صدقًا حتى لا أكذبكم القول، فلم ينقطع منى الأمل سابقًا مثلما يحدث لى الآن.
لا أشعر بجفاف حلقى وشفتىّ فقط، بل يشملنى يَبَاسٌ اعترى جسدى كله، وأفرغ عقلى من كل فكرة مزهرة أو حلم مبهج. إنه العطش ما يؤلمنى، يكسر إرادتى وينزع منى كل ما فات. اعتدت الشبع والجوع، ارتديت الملابس الفخمة والرّثة، ومشيت حافيًا بإرادتى كثيرًا فوق شواطئ رملية بيضاء أو صفراء، باهتة أو مشتعلة بالحياة، لكننى لم أواجه عطشًا مثل هذا قبلًا.
لكّن أملًا واحدًا يراودنى منذ انتبهنا لضياعنا؛ إنه احتمالات النجاة على يد التكنولوجيا الجديدة، هذا الاختراع الذى سيقلب وجه العالم ليقود جنسنا البشرى البائس نحو مسارات كانت مظلمة وطرق لم يفكر فى تمهيدها أبدًا.
تعرف جيدًا يا «عبده» أنّ امتزاج الذكاء الاصطناعى بالذكاء البشرى هو طفرة عادلت كل تطورات البشر الماضية عبر آلاف القرون، وكأنها ضربة بمرزبة ضخمة تساوت مع كل ضربات المطارق الضئيلة، بل عبرتها بمراحل، فها هو النوع الجديد المختلط يتجه للسيطرة بخطوات حثيثة، امتصوا مشاعرنا وقدراتنا وأفكارنا وطوروها لصالحهم هم.
لكن، هل يهتم كائن من الكائنات الجديدة هذه بإنقاذنا؟ ما الربح الذى سيعود عليه- فهكذا يتصرفون ويفكرون؟ ربما يحتاجون مثلنا للرضاء عن النفس ببعض البذل تجاه الآخرين، وربما لا.
أشك فى أنكما لا تصدقان حرفًا مما أقول، أتظننى أهذى يا «عبده»؟ أتحسبنى جُننت يا «يوسف»؟ فأنتما إذن لا تعلمان.
إن كنت أجد مبررًا لعدم معرفة «يوسف» فلا أستطيع إيجاده لك يا مهندس «عبده»، أيها المتخصص الدارس لعلوم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى، تظّن أن العطش جفّف الخلايا الصالحة فى مخى، رغم أن ذلك ما حدث لك أنت، لم تكف للحظة واحدة عن حكاياتك المملة مع أبيك، ما لنا يا أخى وما فعله بك طفلًا أو رجلًا؟ ألم تفكر للحظة أنك كنت تستحق هذه المعاملة وهذا النوع من التربية؟ ألم تخبرنا بخطاياك التى لم تنته؟ نحن الآن على مشارف موت مخجل، نعانى عطشًا وجوعًا وخوفًا بلا نهاية أو أمل، فلا مفر من التفكير فى حلول كل لحظة، ولا يجب أن نكّف عن طرح الاسئلة والاحتمالات، لا أن نقضى لحظات ربما تكون الأخيرة فى هذيان وحكايات كحكايات الجدات. أنت ترثى ذاتك وتلعن حياتك، و«يوسف» المسكين يظن أنه منحوس طالنا سوء حظه لاقترابنا منه، مالكما كيف تفكران؟!
(ثم تناول «ياسر» فجأةً حجرًا صغيرًا أصاب به رأس «عبده» مباشرةً وهو يضحك صارخًا: ها هى بضاعتك رُدّت إليك، والبادئ دائمًا هو الأظلم. كانت المعركة التى يحاول «يوسف» فضّها للمرة الثانية مضحكة محزنة، فلا أحد من المتعاركَيْن قادر حتى على التحكم فى جسده الذابل، ولا شىء تراه غير اختلاط ثلاثة أجساد واهنة بطيئة الحركة ببعضها، بعدها ضحكوا جميعًا من عجزهم كالمجانين).
■ ما الذى حدث مع «صباح» زوجة السائق «يوسف» فى يوم الاختفاء الأول:
الطفل مكوم جوار السرير، يعض أظافره بنهم. لا يسمن عض الأظافر من جوع. اتجه نحو أمه الجالسة أمام التلفاز المشوش، فنهرته قائلة «لا نلمس الطعام إلًا حين يعود أبوك».
تراجع الطفل خوفًا من نظرة الأم، جزعًا من صوتها الصاخب المتوعد، ثم اندفع ملقيًا جسده الضئيل تحت السرير العريض. أغمض عينيه، وانطلقت روحه مُحلّقة فى ممالك الظلام.
لم تأكل منذ الصباح، ولم يأكل طفلها كذلك، كانت أولى وجباتهما فى السادسة صباحًا، مع الزوج الذى لم يعد حتى الآن.
لم تعتد أن تاكل وحدها، أو تُطعم طفلها، دون وجود زوجها، الحبيب وسند العمر، و«يوسف» لم يعتد أن يتأخر حتى هذا الوقت، إمّا أن يعود فى منتصف النهار، ثم يخرج مرة أخرى بعد العصر، أو أن يعود مرة واحدة بعد العشاء. الآن مرّ العصر والمغرب والعشاء، الآن منتصف الليل ولم يظهر.
أيقظت «صباح» صغيرها لتطعمه، ثم حملته فوق وركيها وهى مربّعة ساقيها فى انتظار شريكها.
■ ما الذى قاله «يوسف» السائق لنفسه فى اليوم الأول من التيه:
ذلك حمل أنوء به، دائمًا ما أسبب الأذى لمن حولى، تنالهم شذرات حظى التعس حين يقتربون، حتى الرجلين اللذين لم أعمل معهما سوى أيام معدودة انجذبا للهاوية، فأوشكا على الموت، رغم أننى الوحيد الذى يستحق الموت دونهما، فالعالم من حقه أن يتخلص ممن هم مثلى؛ البائسين التعسين جالبى الحظ السيئ.
ها قد حان الوقت لامرأتى أن تستريح منى. لك الحياة والبراح يا صباح بدونى.
تلك امرأة شجاعة قليلة الحظ، بينما استكثرتْ أقدارُها حتى حظها القليل الذى رحل عنها منذ ارتبطت بى، منذ ضمتها دائرتى المظلمة. إذ لا مجال للخوف اليوم، فمتى حلّت النهاية عليك ستقابلها صامدًا شجاعًا.
■ ما أخبر به «يوسف» رفيقيه بعد المعركة التافهة التى لم تتم:
أُعلمكم أن سوء الحظ لازمنى منذ الدقيقة الأولى لى فى الحياة. لم تتحمل أمى الضعيفة خروج رأسى الضخم من رحمها، وكأنه رأس فيلٍ يخرج من عصفورة رقيقة، فرحلتْ وظهرت أنا.
تلك أيام معدودات قضاها أبى فى نحيب وحزن على شريكة كفاحه ثم تبعها سريعًا؛ لأواجه وحدى صخب الحياة فى ملجأ لمن هم مثلى من أصحاب الحظ التَعِس.
مررتُ بآباء قساة وآباء رحماء، عشت فى كنف أمهات رقيقات وأخريات يُفرغن عنف أزواجهن فوق جسدى الضعيف. ولم يمض من الحياة الكثير حتى حرمتنى أيضًا من المأوى المؤقت والطعام الشحيح، فخرجت مُرغمًا مرة أخرى وحدى وأنا ما زلت فى الثامنة عشرة لأواجه ما لا يتحمله بشر.
كان أقصى أمانىّ أن تكتفى الحياة بضرباتها المعتادة، لكنّها أصرّت على التحالف مع سوء حظ لا ينتهى، فكنت أهرب من مصيبة لأقع فى أخرى، أصمد أمام ابتلاء لتلاحقنى صدمة جديدة، حتى ظهرت «صباح».. زهرة هشّة لها رائحة الجنة، تحمل بين عينيها حنانًا افتقدتُه منذ أنفاسى الأولى، ففرحت وخشيتُ.. فرحت قليلًا ثم اعترتنى خشية من الفرح وخوف من السعادة التى أعلم يقينًا أنها ليست قدرى، ولم يكذبنى القدر فجاء طفلنا كأبيه يحمل إرثى من الحظ، نجت «صباح» بمعجزة من الرأس الضخم لكّنها عانت آثارًا زادتها وهنًا على وهن.
وها أنا بينكما أقدم لكما تبعات حظى الغريب، مندهشًا من انزعاجكما من حياة منحتكم الكثير، ولم تقدروها حق قدرها.
■ دخول مفاجئ:
لم تكن فكرة التخلص السريع من الحياة بعيدة عن ذهن «يوسف»، فطالما راودت عقله فى كل مصيبة أحاطته، لكن حتى هذه الفكرة لا يستطيع تحقيقها بجسده الواهن وعقله الذى توقف تمامًا عن التفكير، أمّا المهندس «عبده» فكان يطرد الفكرة فور حلولها فى رأسه، فلم يكن يملك الشجاعة لمجرد التفكير فيها وليس تنفيذها، أمّا المهندس «ياسر» المحب للحياة، فينتظر دومًا انفراجات مفاجئة أو نهايات سعيدة، يُكمل بها استمتاعه بالحياة حتى آخر نفس.
بينما حلّ الصمت عليهم وقتًا طويلًا بعد ما حكاه كل واحد للآخرين، كانت العقول متوقفة عن التفكير، متوقفة عن التصوّر أو البحث عن النجاة، حاولوا النوم كما اقترح عليهم «عبده» لتنتهى حيواتهم فى هدوء دون أن يشعروا، لكّن «ياسر» سخر منه كما اعتاد، أو كما خُيّل لعبده، فياسر لم ينطق، لكنه نظر نحو رفيقه نظرة لم يحبها الآخر، ورأى فيها نظرات أبيه القاتلة. تكاسل الاثنان عن بدء معركة لا يقويان على إنهائها.
لحظات قليلة مرّت وكل واحد ينظر نحو رفيقيه، لم تحمل نظراتهم فى تلك اللحظات سوى الرجاء والسلام، ثم بدأ الثلاثة يُقّربون أجسادهم من بعضها البعض كأنهم يُشكّلون جسدًا جديدًا واحدًا، جسدًا واحدًا لم يجد ملاذًا سوى الالتفاف حول نفسه، شبّكوا أياديهم وابتسموا لبعضهم فى استسلام، منتظرين ما سيجرى عليهم سويًا.
استمر الصمت كما لو أنه بلا نهاية، صمت كالموت، لم يكسره إلاّ نباح خفيف هادئ آت من بُعد، فلم يعّلق أى واحد منهم، متخيلين أن عقولهم تصنع خيالات ما قبل النهاية، لكّن النباح علا وزاد.
كان النباح الصادر من الجسد البعيد متقطعًا كأنه نداء، تقل المسافات بين كل نباح وآخر كلما اقترب الجسد.
كلب بنى اللون هيكله هزيل شاحب تنتشر فوق ظهره بقع بيضاء عريضة، أذنان منتصبتان بميل بسيط، عينان سوداوان كحيلتان، وابتسامة غريبة مذهلة.
■ ها قد جاءهم رابع يشاركهم نهايتهم المؤلمة.
بينما تأفف «عبده» من ظهور الكلب الذى أيقظ خوفه الدائم من الحيوانات، استاء «ياسر» كذلك وأخذ يهشّه بعيدًا برفق قبل أن يصل إليهم تمامًا، وكأنّ الحيوان المسكين يبحث مثلهم عن شربة ماء تخفف لهاثه، فلم يكترث لإبعاده عنهم واستمر فى التقدم حثيثًا نحوهم، نحو «يوسف» تحديدًا؛ ربما كون «يوسف» الوحيد الذى ابتسم له، فالكلاب تفهم إشارات البشر منذ عشرات آلاف السنين، تصلها مشاعرنا فى يُسر وتفسرها غالبًا بذكاء وفطنة.
ربّت «يوسف» على ظهر الكلب التائه، ومسح على ذقنه مبتسمًا، لا يكاد يسمع كلمات صاحبيه المنزعجة.
إن فكرةً منيرة لمعت فى عقله، مغايرةً تمامًا لأفكار رفيقيه المنزعجة أو حتى المتألمة من موتهم رفقة حيوان ضال. أخذ الكلب يلصق أنفه بيوسف، يلحس ساقيه وينظر للأعلى نحو عينى ذلك العطوف، كأنه يخاطبه أو يرسل له رسالة سرية لا يفهمها سواهما.
تضاعف اندهاش المهندسَيْن من سلوك السائق الذى لم يكتف بمداعبة الكلب، بل استقام واقفًا ثم حرّك قدميه نحو الكلب الذى بدأ فى الخطو بعيدًا عنهم. إن نداءاتهما وأسئلتهما المتعجبة لم توقف يوسف عن الحركة خلف رفيقه الجديد، بل أشار لهما أن يتبعاه وابتسامته تتسع ووجهه يكاد يشرق من جديد.
بدأ الجالسان ينتبهان لما يحدث، ينفضان عن عقليهما تراب الانتظار المستسلم للموت، ويفهمان ما فهمه «يوسف»، فضغطا على جسديهما المنهارَيْن أكثر وتحركا خلفهما.
■ الوصول:
الفوهة واسعة نظيفة، والدلو مستقر جوارها بالأعلى مربوط بحبل غليظ، أمّا الماء الخارج من البئر فعذب جدًا لطيف الطعم باعث للحياة. رفض «يوسف» أن يشرب أى واحد منهم قبل أن يضع مياهً كافيةً لرفيقه المرشد، فى حفرة حفرها بيده أولًا، ولم يكن أمام «ياسر» و«عبده» سوى الانصياع معترفَيْن له بهذا الحق المُكتسب، كان الثلاثة يحملون فى أعماقهم امتنانًا فسيحًا لأخيهم فى الحياة.. الكلب البنى الشاحب.
















0 تعليق