الجمعة 27/مارس/2026 - 02:39 م 3/27/2026 2:39:47 PM
لم تكن أمتنا يومًا أمةً على هامش التاريخ، ولا كيانًا تابعًا يُملى عليه، بل كانت - حين استقامت على أمر ربها - صانعةً للمعنى، وقائدةً للمسار، ومصدرًا للنور الذي أضاء للإنسانية طريقها في أحلك عصورها.
غير أن الناظر اليوم في حال الأمة الإسلامية لا يملك إلا أن يتوقف طويلًا أمام مشهدٍ بالغ القسوة؛ أمةٌ تملك من المقومات ما يؤهلها للريادة، لكنها تعيش حالة من التراجع، والتشتت، والتردد، كأنها فقدت بوصلتها الداخلية قبل أن تُهزم خارجيًا، لقد أصبحت ساحةً مفتوحة لصراعات القوى الكبرى، تُدار فيها المصالح، وتُرسم فيها الخرائط، وتُنفذ فوق أرضها أجندات معقدة، ظاهرها السياسة وباطنها صراع إراداتٍ وعقائد.
وليس خافيًا أن عالم اليوم تحكمه شبكات نفوذ متداخلة، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الرؤى الأيديولوجية، وتتحرك فيها قوى كبرى - ظاهرة وخفية - تسعى لإعادة تشكيل العالم وفق تصوراتها، مستخدمةً أدوات متعددة... إعلامًا موجّهًا، واقتصادًا ضاغطًا، وثقافةً مُعاد صياغتها، وصراعاتٍ تُدار بذكاء لإضعاف الكيانات من الداخل قبل الخارج، والخطورة ليست فقط في وجود هذه القوى، فالصراع سنة كونية، وإنما في أن تتحول الأمة إلى كيانٍ قابلٍ للتشكيل، فاقدٍ للمناعة، مستعدٍ لقبول الهزيمة قبل أن تُفرض عليه.
لقد خُذلت الأمة لا لأن أعداءها أقوى فحسب، بل لأنها - في لحظات كثيرة - خذلت نفسها؛ حين تخلت عن أسباب قوتها، وفرطت في سنن نصرها، وابتعدت عن مصدر عزها الحقيقي، فغاب عنها اليقين، وضعف فيها العزم، واستبدلت الفعل بالتمني، والحركة بالجدل، والإعداد بالتأجيل، وهنا تكمن الخطورة الكبرى حين تتحول الهزيمة من حدثٍ عارض إلى حالةٍ نفسية، ومن ظرفٍ خارجي إلى قناعةٍ داخلية.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تعود بنا آيات القرآن الكريم لتعيد ضبط البوصلة، وتكشف لنا أن سنن النصر لم تتغير، وأن الطريق الذي سلكه الأولون ما زال مفتوحًا لمن أراد، ومن أبلغ هذه الآيات، وأكثرها تكثيفًا لمعنى النصر، قوله سبحانه وتعالى كما جاء في سورة [المائدة: 23]: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}.
ليست هذه الآية مجرد توجيه عابر في سياق قصةٍ قرآنية، ولا كلمة حماسية تُقال في لحظة اشتباك، بل هي قاعدة كبرى من قواعد النصر، وسُنّة من سنن الله في الكون، تُلخّص العلاقة بين الإيمان والحركة، بين اليقين والفعل، بين التوكل والعمل.
جاءت هذه الآية الكريمة في سياق قصة بني إسرائيل حين أمرهم الله بدخول الأرض المقدسة، فقال تعالى: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين"، لكنهم جبنوا، وتخاذلوا، واستسلموا للخوف، فقالوا: "إن فيها قومًا جبارين". والقوم الجبارون في الآية {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} [المائدة: 22] هم أهل الشام وبيت المقدس (أريحا) من العماليق، الكنعانيين، أو بقايا قوم عاد، وقد وصفهم الله بالعمالقة العتاة وذوي الأجسام العظيمة، والقوة الشديدة، والبطش العالي، وكانوا كفارًا.
وسبب أن وُصفوا "بالجبارين" لامتناعهم وقوتهم، فكانوا عتاة يبغون في الأرض، ومتعظمين يمتنعون من الذل، وقد قهروا سائر الأمم ببطشهم، وقد ذُكر في روايات حول خِلقَتِهم في كتب التفسير (نقلًا عن بعض الروايات) أنهم كانوا طوال القامة جدًا، مثل "عوج بن عنق" الذي قيل إن طوله كان هائلًا.
وعندما أمر الله بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة (فلسطين) بعد خروجهم من مصر، خاف بنو إسرائيل من هؤلاء الجبارين وقالوا: {يَٰا مُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا }، ورفضوا دخولها، وهنا، وفي لحظة الانكسار الجماعي، يبرز صوتان مختلفان… رجلان امتلأت قلوبهما يقينًا بالله، فقالا: "ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين".
لم يكن كلامهما تهورًا، ولا اندفاعًا أعمى، بل كان خلاصة فهم عميق لسنن النصر؛ أن النصر يبدأ بخطوة، وأن الهزيمة تبدأ بالتردد، وأن الله لا ينصر من قعد، ولو ادّعى الإيمان، فالقصة هنا ليست عن بابٍ يُفتح، بل عن قلبٍ يقتحم.
وحين قال الرجلان: "ادخلوا"، لم يقصدا مجرد الحركة الجسدية، بل المبادرة، كسر حاجز الخوف، اتخاذ القرار، بينما كان رد بني إسرائيل نموذجًا خالدًا للشلل الحضاري: "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون"، وهنا تتجلى المفارقة الكبرى التي تعيشها كثير من الأمم اليوم؛ نؤمن نظريًا لكننا لا نتحرك، نخطط طويلًا لكننا لا نبدأ، نُكثر من التحليل ونُقلّ من الفعل، لقد تحوّلنا من أمة “ادخلوا” إلى أمة “سنفعل يومًا ما”!
ولم يأتِ هذا التوجيه القرآني منفصلًا عن قاعدة أخرى مكملة له، وهي قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"، وهنا تتضح المعادلة الدقيقة، إعداد قبل الدخول، ودخول بعد الإعداد، فليس المطلوب تهورًا بلا حساب، ولا انتظارًا بلا نهاية، “ما استطعتم” تعني أن الكمال ليس شرطًا، وادخلوا” تعني أن التأجيل ليس خيارًا، وكم من أمةٍ امتلكت خططًا عظيمة، لكنها لم تدخل الباب، فظلت أسيرة الورق، وكم من جماعةٍ دخلت بلا إعداد، فدفعت ثمن العشوائية، أما النصر فهو في المنطقة الوسطى التي تتشكل من عزمٌ صادق، وإعدادٌ ممكن، وخطوةٌ شجاعة.
وفي سيرة النبي ﷺ تجسدت هذه القاعدة بأبهى صورها؛ في بدر، حيث القلة في العدد، والضعف في العُدة، لكنهم دخلوا الباب، فتحركوا بما يملكون، فكان النصر من عند الله، وفي فتح مكة، حيث الإعداد المحكم، والخطة الدقيقة، لكن اللحظة الفاصلة كانت في القرار؛ الدخول... لم ينتظر النبي ﷺ اكتمال كل أسباب القوة، بل تحرك حين اكتمل الممكن، ففتح الله عليه.
والمأساة الحقيقية للأمة اليوم ليست في قلة الإمكانيات، بل في تآكل الإرادة؛ لقد استبدلنا الثقة بالله بالخوف من الواقع، والمبادرة بالتبرير، والفعل بالشكوى، نرى التحديات فنضخمها، وننسى أن الله الذي أمر بالدخول، هو نفسه الذي وعد بالغلبة.
ولا شك أن العالم مليء بصراعات معقدة، ومصالح متشابكة، وقوى تسعى للهيمنة وإعادة تشكيل الواقع وفق رؤاها، وقد تبدو هذه القوى أحيانًا كأنها تدير المشهد من خلف الستار، مستخدمة أدوات متعددة لإضعاف الأمم من الداخل قبل الخارج، لكن الخطر الحقيقي ليس في وجود هذه القوى، بل في تحويلها إلى ذريعة للجمود، حين نُرجع كل شيء إلى “مؤامرة” دون أن نراجع أنفسنا، فإننا نكرر خطأ بني إسرائيل؛ يرون “قومًا جبارين” وينسون أمر الله: ادخلوا.
الصراع في جوهره أعمق من السياسة والاقتصاد؛ إنه صراع مع النفس، ومع الشيطان، ومع الوهن الذي يتسلل إلى القلوب، وقد قال النبي ﷺ: "بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل".
إن أعظم ما في هذه الآية أنها تعيد تعريف النصر؛ فليس النصر في كثرة العدد، ولا في تفوق العدة فقط، بل في ثقة لا تهتز بالله، وعزم لا ينكسر، وحركة لا تتوقف، "فإذا دخلتموه فإنكم غالبون"، كأن الغلبة نتيجة حتمية للدخول، لأن الله لا يخذل من صدق.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال قراءة المشهد من زاويةٍ أخرى تتعلق برؤية القيادة السياسية، وتحديدًا رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، لا بوصفها موقفًا سياسيًا يُؤيد أو يُعارض، ولكن بوصفها طرحًا فكريًا يستحق التأمل والتحليل، خاصة في شقه الديني والأخلاقي.
فمنذ اللحظة الأولى لظهوره في المجال العام، بل وقبل أن يتولى المسؤولية رسميًا، كان لافتًا ذلك الحضور الواضح للبعد الإيماني في خطابه، حين تحدث بثقة غير معتادة عن أن الله سيقف مع مصر، وأن القادم سيحمل ما يُدهش العقول، وهي عبارات قوبلت حينها بكثير من السخرية والتشكيك، لا لشيء إلا لأن الخطاب العام كان قد اعتاد فصل الدين عن حركة الواقع، أو التعامل معه كطقسٍ منفصل عن معادلات القوة والنصر، غير أن المتأمل في هذا الطرح يكتشف أنه لم يكن خطابًا عاطفيًا بقدر ما كان انعكاسًا لفهمٍ معين لسنن التاريخ، وإدراكٍ عميق لقواعد النصر كما قررها القرآن، فالرجل - وفق ما يظهر من مجمل خطابه - ينطلق من قناعة أن الإيمان ليس بديلًا عن العمل، بل هو دافعه، وأن السعي واجب، وأن النتائج بيد الله الذي لا يُخلف وعده، وهي ذات المعادلة التي عبّر عنها القرآن في الجمع بين “وأعدوا” وادخلوا”.
ومن هنا يمكن فهم إصرار الرئيس المبكر والمستمر على قضية تجديد الخطاب الديني، تلك القضية التي أعلن بوضوح أنه لن يتخلى عنها ما بقي حيًا، في مشهدٍ نادر أن يتصدر فيه رئيس دولة دعوةً صريحة لإعادة قراءة الدين، ليس بهدف التفريغ أو التمييع، بل بهدف استعادة جوهره الحركي الذي يصنع الأمم.
لقد أدرك الرئيس السيسي أن الخلل لم يكن فقط في الاقتصاد أو السياسة، بل في بنية الوعي ذاتها، في فهمٍ دينيٍ تراكمت فوقه طبقات من الجمود، حتى أصبح عاجزًا عن إنتاج إنسانٍ قادر على الفعل، فاكتفى بالدفاع عن الماضي بدلًا من صناعة المستقبل، ومن هنا جاءت معركته - التي ما زالت مستمرة - في محاولة إعادة توجيه البوصلة، عبر الدعوة إلى خطابٍ ديني يعيد ربط الناس بسنن الله في الكون، ويؤكد أن التدين الحقيقي لا يعني الانسحاب من الحياة، بل الانخراط فيها بقوة، وأن الإيمان ليس حالة سكون، بل طاقة دفع.
وقد أتاح هذا التوجه - بطبيعته الجريئة - مناخًا واسعًا للمزايدة والرفض من بعض الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الدين، أو حراسًا على أبوابه، أو كأنهم ورثته الحصريون عن النبي ﷺ، فكان من الصعب على هؤلاء أن يتقبلوا أن تأتي الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني من رئيس دولة ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، لا من داخل الدوائر التقليدية التي اعتادت احتكار هذا المجال، فاختلط لديهم موقع الرسالة بموقع القائم عليها، ونسوا أن من صميم مفهوم “أولي الأمر” أن تتجمع عنده المسؤوليات قبل أن تتوزع، وأنه - بحكم موقعه - الراعي الذي سيُسأل أمام الله عن رعيته سؤالًا فرديًا لا يقبل التفويض، ولا يحتمل تعليق الأخطاء على شماعات الآخرين.
إن غيره من المسؤولين قد يجد لنفسه مبررًا أو مهربًا، وقد يلقي بالعبء على من هو أعلى منه، أما هو، فإلى من يردّ أمر المسئولية؟ وعلى من يُلقي تبعة التقصير؟ ومن هنا يمكن فهم مبادرته المبكرة إلى اقتحام هذا الملف دون انتظار، مدفوعًا بإدراكٍ عميق لثقل الأمانة، لا برغبة في مجاراة تيار أو مجاملة رأي عام، ومن ثم، فإن الواجب لا يقف عند حدود التفهم، بل يتجاوز إلى الشراكة الواعية؛ إذ ينبغي على كل مصري صادق الانتماء أن يدرك حساسية هذه القضية، وأن يساند هذا المسار في تصحيح الخطاب الديني مساندة قائمة على الوعي لا على الشعارات، وعلى الفهم لا على العنتريات، بعيدًا عن الأدلجة الضيقة أو تقديس أشكالٍ جامدة من “هيبة كهنوتية” لا أصل لها في روح الدين، بل إن المساندة الحقيقية لا تعني التأييد الصامت، وإنما تعني أيضًا المطالبة الجادة بكل إصلاحٍ واجب، خاصة فيما يتعلق بقيادات المؤسسات الدينية التي قصّرت في القيام بدورها التوعوي، وانشغلت - في أحيانٍ كثيرة - بالدفاع عن موروثات تراكمت عبر العصور، يحمل بعضها ما لا ينسجم مع نصوص القرآن الكريم، ولا مع أخلاق وسيرة النبي ﷺ، بدلًا من أن تتصدر مهمة بيان القواعد الإلهية التي تغيّر أحوال الأمم، وتنقلها من الضعف إلى القوة، ومن التراجع إلى التقدم.
ومع ذلك، فإن المفارقة التي تفرض نفسها هنا أن كثيرًا من المعاني التي نحاول استعادتها اليوم، والتي يقوم عليها هذا المقال في جوهره، كان الأولى أن تنطلق من مؤسسات تمتلك العلم الديني وأدواته، وعلى رأسها الأزهر الشريف، بوصفه من أعرق المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي، فكان المنتظر أن يبادر بفتح هذه الملفات بجرأة، وأن يعيد تقديم القواعد الإلهية للنصر كما وردت في القرآن والسنة، وأن يصحح المفاهيم التي عُلقت بالأذهان، خاصة تلك المتعلقة بعلاقة الإيمان بالحركة، والدين بالنهضة، بدلًا من أن ينشغل - في كثير من الأحيان - بمعارك الدفاع عن التراث بوصفه غاية في ذاته، لا وسيلة لفهم الدين، وكأن الحفاظ على النصوص القديمة أصبح هو القضية، لا استحضار روحها في واقعٍ يتغير. إن التحدي الحقيقي لم يكن يومًا في التراث ذاته، بل في طريقة التعامل معه؛ هل نجعله منطلقًا للفهم والبناء، أم نحوله إلى جدارٍ نحتمي خلفه من مواجهة أسئلة الحاضر؟ وهنا تتجلى الحاجة الملحّة إلى تكامل الأدوار، حيث تتلاقى الإرادة السياسية مع التجديد العلمي الرصين، ليُعاد بناء وعيٍ دينيٍ قادر على إنتاج أمة تعرف متى تُعد، ومتى تدخل، وكيف تفهم أن وعد الله بالغلبة ليس شعارًا يُردد، بل قانونًا يُفعّل.
إن الآية الكريمة التي تناولت الحديث عنها، لم تكن لبني إسرائيل وحدهم، بل هي خطاب ممتد لكل أمة، وكل جيل، وكل إنسان، الباب الذي طُلب منهم أن يدخلوه هو ذاته الذي نقف أمامه اليوم؛ باب الإصلاح، باب النهضة، باب المواجهة، باب التغيير، والسؤال الذي سيبقى معلقًا: هل سنظل نقف خارجه نعدّ الأعذار، أم ندخله فنستحق وعد الله؟
ادخلوا… فإنكم إن دخلتموه، كنتم غالبين.
- الشيخ الجهني: القرآن الكريم أرشدنا إلى أن العلم هو الأساس للعمل
- ملخص وأهداف مباراة النصر ضد الفتح فى الدوري السعودي
- أسامة قابيل يوضح وصفة النصر في لقاء إيران: "صلوا الفجر وادعوا لمصر"
- إجابة امتحان التربية الدينية للثانوية العامة 2026.. اعرف درجتك كام
- وزير الأوقاف يوجه الشكر للعاملين بالوزارة خلال عيد الأضحى





