قال الباحث السياسي الفلسطيني الدكتور سعيد محمد أبو رحمة، إن التحذيرات الأخيرة الصادرة عن رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير، بشأن احتمال حدوث "انهيار داخلي" في المؤسسة العسكرية لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تقييم عسكري تقني، بل تعكس تداخلًا عميقًا بين الضغوط الميدانية التي يواجهها الجيش وبين الصراعات السياسية داخل إسرائيل.
أوضح "أبو رحمة"، في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن تلك التصريحات أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، لأنها تتجاوز البعد العسكري المباشر لتكشف عن أزمة مركبة تتعلق بقدرة الجيش على الاستمرار في إدارة جبهات متعددة في ظل حالة استنزاف متصاعدة.
وأضاف أن القراءة الأولية لهذه التحذيرات تشير إلى وجود معطيات ميدانية حقيقية، أبرزها اتساع نطاق العمليات العسكرية على أكثر من جبهة، إلى جانب استمرار الاستنزاف البشري في صفوف القوات النظامية وقوات الاحتياط، وهو ما يؤدي بطبيعته إلى إرهاق تدريجي في القدرات القتالية ويضع تحديات كبيرة أمام جاهزية الجيش واستدامة عملياته.
وأشار الباحث السياسي إلى أن الحروب الممتدة عادة ما تنتج ضغوطًا متزايدة على الجيوش، خصوصًا في ظل غياب أفق سياسي واضح لإنهاء حالة الاشتباك المفتوح، وهو ما يجعل الحديث عن تآكل في الموارد البشرية أو انخفاض في مستوى الجاهزية العسكرية أمرًا واقعيًا إلى حد كبير في مثل هذه الظروف.
ولفت "أبو رحمة" إلى أن توقيت هذه التحذيرات يكشف عن بعد سياسي مهم لا يقل تأثيرًا عن البعد العسكري، إذ جاءت في لحظة داخلية حساسة في إسرائيل تتزامن مع تصاعد الجدل حول قضية التجنيد الإجباري، خاصة ما يتعلق بالأحزاب الحريدية التي ترفض الخدمة العسكرية رغم امتلاكها وزنًا مؤثرًا في معادلة الحكم.
وأوضح أن التصريحات يمكن فهمها أيضًا بوصفها أداة ضغط سياسية موجهة إلى تلك الأطراف، بهدف تحميلها جزءًا من مسئولية أي تراجع في كفاءة الجيش، ودفعها إلى تقديم تنازلات في ملف التجنيد، خاصة في ظل اقتراب استحقاقات سياسية مهمة مثل التصويت على الموازنة.
وأضاف أن المعارضة الإسرائيلية استثمرت هذه التصريحات بدورها لتوجيه انتقادات حادة للحكومة، متهمة إياها بإدارة الحرب دون استراتيجية واضحة، وبالزج بالمؤسسة العسكرية في معارك مفتوحة دون توفير الموارد البشرية الكافية لضمان استمرار العمليات بكفاءة.
وأكد “أبو رحمة” أن التلاقي بين خطاب المؤسسة العسكرية وخطاب المعارضة يعكس حجم التصدع داخل بنية القرار الإسرائيلي، ويظهر كيف تحول الجيش تدريجيًا من مجرد أداة تنفيذية إلى طرف فاعل يحاول التأثير في صياغة القرار السياسي.
وأوضح أن التجارب السابقة تشير إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يطلق فيها قادة عسكريون إسرائيليون تحذيرات من مخاطر الاستنزاف أو من استمرار العمليات العسكرية دون رؤية سياسية واضحة.
وأشار إلى أن رؤساء أركان سابقين حذروا مرارًا من تداعيات الانخراط في حروب طويلة الأمد دون أهداف سياسية محددة، وغالبًا ما كانت تلك التحذيرات جزءًا من محاولات التأثير على صناع القرار، سواء للدفع نحو إنهاء العمليات العسكرية أو لإعادة تعريف أهدافها.
ويرى الباحث الفلسطيني أن السؤال الأهم الذي تطرحه هذه التصريحات يتمثل في تحديد طبيعتها: هل تعكس واقعًا مأزومًا بالفعل داخل الجيش الإسرائيلي، أم أنها تمثل أداة ضغط ضمن التوازنات الداخلية للنظام السياسي؟
وأكد أن الإجابة الأقرب للواقع تكمن في الجمع بين الأمرين، موضحًا أن الجيش الإسرائيلي يواجه بالفعل تحديات حقيقية تتعلق بالموارد البشرية والاستنزاف الناتج عن تعدد الجبهات، لكنه في الوقت نفسه يوظف هذه التحديات كورقة ضغط في مواجهة القيادة السياسية أو في إدارة الصراعات الداخلية.
وأضاف أن تأثير هذه التحذيرات لا يتوقف فقط على مدى دقتها أو صحتها، بل يعتمد أيضًا على قدرة الأطراف الأخرى على استثمارها وتحويلها إلى معطيات مؤثرة على الأرض.
وأشار إلى أن تداول هذه التصريحات إعلاميًا يمنحها أثرًا معنويًا أو دعائيًا، لكنه لا يغيّر في حد ذاته موازين القوى ما لم يُترجم إلى استراتيجيات عملية أو تحولات حقيقية في إدارة الصراع.
مرحلة إعادة توازن
ولفت إلى أن الحديث عن "انهيار الجيش الإسرائيلي" لا يعني بالضرورة اقتراب انهيار فعلي للمؤسسة العسكرية، بقدر ما يعكس حالة ضغط مركبة يعيشها الجيش بين استنزاف الميدان وتجاذبات السياسة الداخلية.
وأوضح أن هذه اللحظة قد تمثل مرحلة يعيد فيها جيش الاحتلال رسم حدود قدرته العملياتية ويحاول التأثير على مسار القرار السياسي، في ظل حرب ممتدة وتوازنات سياسية معقدة داخل إسرائيل.
ونوه بأن ما يجري في النهاية يعكس محاولة من المؤسسة العسكرية لإعادة التوازن بين متطلبات الحرب وضغوط السياسة، دون أن يعني ذلك بالضرورة الوصول إلى نقطة انهيار، بقدر ما يشير إلى مرحلة من إعادة ترتيب الأولويات تحت ضغط الواقعين العسكري والسياسي معًا.



