سيدنا الخضر، في جوهره، مرآةٌ مكثّفة لتوق الإنسان المصري – ثم الإسلامي من بعده – إلى كسر حدِّ الفناء وإطالة أثره في العالم. فقد قامت الحضارة المصرية القديمة على مواجهة الموت لا بإنكاره ولا بتجاهله، بل بتحويله إلى مشروعٍ مادي وروحي في آنٍ واحد: تدوين سيرة الإنسان على جدران المعابد والمقابر في نقوش بالغة الرفعة، وتحنيط الجسد، وبناء المقبرة بوصفها "بيتًا أبديًا" تُستكمل فيه الحياة لا تُطفأ، والاحتفاظ داخلها بالأثاث والمتعلقات والرموز التي تُثبت المكانة وتؤكد استمرار الحضور. ولولا تلك النقوش والبرديات والتماثيل المنحوتة بأزميلٍ عبقري لما أمكن لنا أن نقرأ التاريخ الفرعوني قراءةً حيّة، ولما بقي الملوك والقادة أحياء في ذاكرة العالم رغم صعود أرواحهم إلى بارئها. ومن هنا يتبدّى أن "قهر الموت" لم يكن أمنيةً فردية عابرة، بل ثقافةً كاملة شكّلت الوعي الجمعي وأعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والزمن، بحيث لم يعد الموت نهايةً مغلقة، بل معبرًا يعاد تنظيمه بالرمز والمعنى.
ومن هذا العمق الحضاري يطلّ سؤالٌ بالغ الأهمية: كيف واصلت الرموز القديمة حياتها داخل عالمٍ حديث يدّعي القطع مع الأسطورة لصالح العقل العلمي؟ إن جزءًا من الإجابة يكمن في أن كثيرًا من طقوسنا وممارساتنا وعاداتنا ليست سوى إعادة إنتاجٍ لطقوس أقدم بمضمونات جديدة، وأن الموروث الشعبي ما يزال يحتفظ بوهجٍ وفاعلية لأنه يحمل بقايا عالمٍ رؤيوي قائم على الاستعارة الشاملة، تتماهى فيه الأشياء داخل وحدة كلية تختزل العالم في زمنٍ دائري لا ينغلق على سردية تاريخية خطّية صارمة. وقد أسهم المقدّس في الضمير الجمعي في منح هذا العالم – ببقاياه ورموزه وأحداثه وشخصياته – قدرةً على البقاء، فظلّ حاضرًا في التفاصيل اليومية، يتخفّى أحيانًا، ويعود أحيانًا أخرى في صورة موتيفات شديدة القِدم تؤدي وظيفتها الرمزية من جديد، وكأن الذاكرة الثقافية تمتلك قدرة خاصة على النجاة من القطيعة المعرفية.
وليس الهلال والنسر ونجمة داود سوى أمثلة على هذا الحطام الرمزي الذي يواصل الاشتغال في الذاكرة. فالهلال والنسر رمزان قوميان لدى عدد من الشعوب العربية والسامية، وتجاورهما في المجال السامي رموزٌ أخرى مثل نجمة داود، أما النسر فيرتبط في بعض القراءات بإرثٍ أقدم في المخيال السبئي، ودلالات القدر والدهر وخلود الجماعة. وفي هذا السياق تَرِدُ أسطورة لقمان بن عاد ذي النسور كما يرويها عبيد بن شربة الجرهمي، حيث ارتبط موته بفناء نسوره السبعة، فسعى إلى الخلود عبرها. هنا تتكشف البنية العميقة التي تحكم هذه السرديات جميعًا: الإنسان يحاول أن يزرع حياته في شيءٍ يتجاوز هشاشة الجسد، في الحيوان، أو الرمز، أو الاسم، أو الأثر، فيتحول الرمز إلى وسيط خلود، وإلى أداة لمقاومة العدم.
وعلى هذه البنية نفسها يمكن أن نفهم لماذا صار الخضر في الموروث الشعبي رمزًا لاستمرار الحياة. لقد فاز بالخلود في المخيال الجمعي، لا بوصفه إنسانًا عاديًا، بل بوصفه كائنًا عبر الزمن دون أن يُستنزف حضوره. فتلقّفته الذاكرة الشعبية بوصفه إجابةً رمزية على سؤال الفناء الذي لا يهدأ. وتتجلّى بقايا هذا الاعتقاد في تفاصيل تبدو بسيطة لكنها عميقة الدلالة؛ فبعض الأمهات إذا شرق الطفل وخافت عليه نادته: "يا خِضْر"، كأنها تطلب له حياة الخضر أو تستدعي بركته. الاسم هنا ليس نداءً عابرًا، بل تعويذة اجتماعية، وتمنٍّ شعبي بالنجاة، وربطٌ خفي بين القدر واللغة، حيث تتحول الكلمة إلى فعل رمزي يحمي الحياة من الانقطاع.
والخضر في المتخيل الاعتقادي الشعبي ليس مجرد "عبد صالح" فحسب، بل كائن فاعل في التاريخ المقدس والذاكرة: صاحب موسى، وفي بعض المرويات يُقرن بذي القرنين، وصاحب الظهورات التي تشير إليها المقامات. وقد سجّل الرحالة التركي أوليا جلبي هذه الصورة حين وصف الخضر بأنه رجلٌ مسن ذو تجارب وتدبيرات عظيمة، رافق الإسكندر في أسفاره، ويقال إنه لا يزال حيًا يُرزق. بهذه الطريقة يتشكّل الخضر بوصفه شاهدًا عابرًا للزمن، لا تحبسه نهاية، ولا يُغلق الباب أمام حضوره أي تفسير عقلاني مهما بدا متماسكًا؛ لأن العقل، مهما بلغ، يعجز عن نفي ما استقر في وجدان الجماعة بوصفه معنى لا واقعة.
ومن هذا المدخل تحديدًا تتجلّى قيمة كتاب "الخضر في التراث العالمي" للشاعر والأكاديمي محمد أبو الفضل بدران، الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة. وأكتب هنا من موقع القرب والمعايشة؛ من موقع الزمالة والعمل لسنوات في كلية واحدة، حيث نضج هذا المشروع في تربةٍ تجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الوجدانية. فمن يعرف بدران عن قرب يدرك كيف أن اقترابه الطويل من الفكر الصوفي، ومجاورته الروحية لسيدي عبد الرحيم القنائي، وحساسيته الشعرية، وضميره اللغوي الدقيق، كانت عناصر حاسمة في خروج هذا الكتاب بعين شاعر، وروح مؤرخ، ووعي لغوي لا يفصل بين الكلمة وسياقها الثقافي ولا بين الرمز وجذوره الاجتماعية.
هذا الكتاب لا يكدّس الشواهد ولا يعيد سرد الروايات، بل يبني جسورًا معرفية تصلنا بعالمٍ قديم ساحر، ويمنح القارئ قدرة على رؤية فكرة الخلود بوصفها سؤالًا إنسانيًا كونيًا قبل أن تكون قضية دينية محلية. يتعامل بدران مع الخضر لا بوصفه موضوعًا للدراسة، بل بوصفه عقدة تقاطع: بين الأسطورة القديمة والرؤية الإسلامية، بين الشعر والسرد، بين الذاكرة الشعبية والسير الكبرى التي صاغت وجدان الناس. ومن هنا تأتي جدة الكتاب وقيمته؛ إذ يفتح النص على قراءات متعددة دون أن يفرض قراءة واحدة مغلقة، ويُبقي الرمز حيًا في حركته لا أسيرًا لتعريف نهائي.
وفي هذا الأفق تتضح الروابط بين ما أحاط بشخصية الخضر من رواسب رمزية وبين ما شاع عالميًا عن نباتٍ سحري مجدد للشباب والحياة، يؤجل وقوع الموت للإنسان أو للبطل في الملاحم والحكايات. والخضر – بوصفه "الرجل الأخضر" مخضرّ النبات – يتطابق هنا مع معنى النماء نفسه: صاحب النهر المنساب للخلود، وصاحب الرايات الخضر، ومنقذ المظلومين، وسيد الأولياء أحياءً وأمواتًا، الواقف درجات فوق درجات القطب في الديوان السماوي الصوفي. وحتى حين يقال إنه ميت، فإن الاعتقاد الشعبي يعيد تأويل الغياب: الجسد يغيب، لكن الروح تظل فاعلة، حاضرة، قادرة على التدخل في مسار العالم.
ومن مرونة هذه الشخصية وطاقتها الرمزية أنها لا تأتي في صورة واحدة؛ فقد يراه البعض منفردًا، وقد يراه آخرون مختلطًا بالنبي إلياس، أو مقرونًا بماري جرجس، بل إن بعض التأويلات تربطه بالرسل المذكورين في سورة "يس". هذه التشابكات ليست فوضى، بل علامة على أن المخيال الشعبي يشتغل بمنطق التراكب لا الإقصاء، حيث تتكاثف الرموز من أجل غاية واحدة: النجاة والاستمرار. وهو منطق يفسر كيف احتضنت مصر، عبر تاريخها الطويل، هذا التعدد بوصفه ثراءً لا تهديدًا؛ من الرهبنة التي خرجت من صحاريها الأولى هديةً روحية للعالم، إلى التصوف المصري الذي صاغ خطابًا إنسانيًا بالغ العمق، قادرًا على الجمع بين الشريعة والرمز، وبين العقل والذوق.
وفي هذا السياق المعاصر، لا يبدو المتحف المصري الكبير مجرد صرح معماري أو مخزن للآثار، بل سردية حديثة للفكرة القديمة نفسها: كيف تروي مصر تاريخها بوصفه تاريخًا حيًا، وكيف تمنح العالم فرصة لقراءات متعددة لمعنى الخلود، من الجسد المحنط إلى الرمز المتحوّل، ومن الحجر إلى الذاكرة. فالمتحف، بهذا المعنى، ليس مكانًا للفرجة فقط، بل فضاء للتأويل، يُعيد ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر، ويحوّل الأثر إلى خطاب مفتوح على العالم.
هنا يمكن قراءة الخضر بوصفه امتدادًا رمزيًا لهذا المسار الطويل؛ وسيطًا بين الأزمنة، ودليلًا على أن مصر لم تصدّر للعالم آثارًا فحسب، بل صدّرت طرقًا في التفكير، وأنماطًا في فهم العلاقة بين الإنسان والموت والمعنى. فكما يعرض المتحف سردية الخلود في صور مادية متتابعة، يعرض الخضر سردية الخلود في صورة رمزية متحوّلة، قادرة على العبور بين الثقافات والعصور دون أن تفقد جوهرها.
ومع هذا الامتداد في النص والحكاية والاعتقاد، ينتقل الخضر من عالم الرواية إلى عالم الصورة، فيتحول إلى أيقونة بصرية مكتملة الدلالات. فتمثيله في التصوير الإسلامي، ولا سيما في البيئات التي تداخلت فيها التقاليد الصوفية بالموروثات الفارسية والهندية، لا يأتي بوصفه ترفًا فنيًا، بل باعتباره خطابًا رمزيًا يعيد تشكيل العلاقة بين المقدس والخيال. يظهر الخضر رجلًا مسنًا، تحيط به هالة نورانية، يرتدي ثيابًا خضراء، ويرتبط بالماء، ويتكرر مشهد وقوفه على سمكة في استعارة عن العبور بين الفناء والبقاء.
وهكذا تتبدّى طاقة الخضر بوصفه شخصية عابرة للثقافات، لا باعتباره "شخصًا" فقط، بل وظيفة رمزية: وعدٌ بالنجاة، وذاكرة مشتركة للبحث عن الخلود. وبهذا المعنى يغدو كتاب "الخضر في التراث العالمي" عملًا تأسيسيًا، لأنه يكشف كيف تتعايش العقيدة والخيال داخل الثقافة، وكيف تولد الأسطورة من حاجةٍ إنسانية عميقة لا من فراغ. وهكذا يظل الخضر – في صورةٍ واحدة تجمع مصر القديمة، والموروث الشعبي، والتأويل الإسلامي، والتصوف، والرهبنة، وسردية المتحف – رمزًا لقهر الموت: لا بوصفه إنكارًا للفناء، بل بوصفه صياغةً إنسانية لمعنى البقاء، حيث الرمز يعيش أطول من صاحبه، وحيث الحياة تستمر لأنها تعرف كيف تُروى وتُعاد قراءتها في كل عصر.
