الأحد 08/فبراير/2026 - 12:41 ص 2/8/2026 12:41:26 AM
بمناسبة زيارتي لمدينة أبو تشت منذ أيام والتي كتبت عنها في مقالي السابق، وجدت نفسي مضطرًا لأن أواصل الرحلة نحو نجع حمادي، تلك المدينة التي تبعد عن أبو تشت نحو ٢٧ كيلومترًا فقط، وهي بالمناسبة تتبع محافظة قنا أيضا، وكأن المسافة بين المدينتين ليست بالكيلومترات، بل بتاريخ طويل وحكايات متشابكة، وبينِي وبين نجع حمادي، والأمير يوسف كمال وقصره بمدينة نجع حمادي حكاية مثيرة وهامة مليئة بالإبداع والعطاء، ألهمتني الروح التي تسكن إحدى الروايات الهامة في مسيرتي الأدبية، وهي رواية (1935)، ومن حياة الأمير يوسف صغت أحداثها، ووضعت منها بداية لصورة مصر منذ عام ١٩٣٥ وحتى ثورة يناير عام ٢٠١١.
القصر لم يكن مجرد حجر وطوب، بل سجل حيّ لتاريخ رجلٍ اخترق حدود اللقب والمكانة، واختار أن يعيش لمصر، للعلم، للفن، وللإبداع، تاركًا وراءه إرثًا يربط بين الماضي والحاضر، وبين الكتابة والواقع.
إن تاريخ الأمير يوسف كمال أو البرنس كما كان يطلق عليه، لم يكن مجرد سطور في كتب التاريخ، بل حياة كاملة تتنفس الإبداع والعطاء، وشخصية متفردة جمعت بين الفكر والإنسانية، وبين حب العلم والفنون والعمل الاجتماعي، والأمير يوسف كمال الذي عاش في الفترة ما بين 1882 وحتى 1969، هو يوسف كمال باشا بن أحمد كمال بن أحمد رفعت بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، أمير من أسرة محمد علي باشا، وهو ابن عم الملك فؤاد.
كان أغنى رجل في مصر،شديد الولع باصطياد الوحوش المفترسة وغامر في سبيل ذلك في أفريقيا حتى وصل إلى جنوبها، وبعض بلاد الهند وغيرها واحتفظ بالكثير من جلود فرائسه وبعض رؤوسها المحنطة وكان يقتنيها بقصوره العديدة بالقاهرة والإسكندرية ونجع حمادي مع تماثيل من المرمر ومجموعة من اللوحات النادرة، وكان مغرمًا بأحداث التاريخ وجغرافية البلاد ومن هنا أنفق على ترجمة بعض الكتب الفرنسية التي اختارها فنقلت إلى العربية وطبعت على حسابه ومنها: وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن إفريقيا الشرقية من تأليف مسيو جيان، والمجموعة الكمالية في جغرافية مصر والقارة (13مجلدًا)بالعربية والفرنسية، وكتاب بالسفينة حول القارة الأفريقية، وكتاب رحلة سياحة في بلاد الهند والتبت الغربية وكشمير1915م.
كان الأمير يوسف كمال من أغنى أغنياء مصر في عصره، وفي عام 1934م قدرت ثروته بحوالي 10 ملايين جنيه وكان في هذا العام أغنى شخصية في مصر، وفي عام 1937م قدر إيراد أملاكه بمائة ألف جنيه، بينما في عام 1948م كان يمتلك حوالي 17ألف فدان تدر دخلًا يقدر بـ 340 ألف جنيه في العام، وكانت له عدة قصور فى نجع حمادي والقاهرة والإسكندرية وكلها بناها مهندسون عالميون، وتم زخرفتها وفرشها بأغلى الأشياء القادمة من أوروبا.
كان تقديره للعلوم والفنون بالغا، فقد أسس كلية الفنون الجميلة، وكان من الدفعة الأولى النحات محمود مختار والرسامون راغب عياد ويوسف كمال ومحمد حسن وآخرون، وقدم الكثير من أجل دعم الفنون والثقافة، وساهم بمجموعة من مقتنياته الخاصة في المتحف الإسلامي، وهي عبارة عن آثار وقفية ومنابر المساجد والسيوف والمشغولات الذهبية والمصاحف والدروع، وقدمها تباعًا من أوائل القرن التاسع عشر وحتى عام 1927م، وقد حرص على تسجيل كل قطعة مع وصف تفصيلي لكل منها وذكر منشأها وتاريخ صنعها، كما شارك في تأسيس الأكاديمية المصرية للفنون بروما.
كما أهدى مجموعة من الطيور المحنطة ورؤوس الحيوانات المفترسة من صيده إلى متحف فؤاد الأول الزراعي، وبعضها ضم إلى متحف محمد على بالمنيل، وأهدى أيضًا آلاف الكتب المصورة عن الطيور والحيوانات إلى دار الكتب المصرية وجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) وتضمها حاليًا المكتبة المركزية بجامعة القاهرة، وكان الأمير يوسف كمال ثالث رئيس لجامعة القاهرة، وساهم من ماله الخاص في تطويرها ودعمها.
ونجع حمادي هي المدينة المرتبطة تاريخيًا بمزارع القصب الضخمة ومصانع السكر الكبيرة التى كان يملكها كبار الأغنياء، والأمير يوسف كمال كان يملك معظم أراضي نجع حمادي وأقام قصرًا عظيمًا هناك.
وكعادة الأمير العازف عن الأضواء، فقد عرضت عليه رئاسة جامعة القاهرة، لكنه اعتذر واكتفى بأن يكون عضوا في مجلس إدارتها، وحينما اضطر حسين رشدي باشا للتخلي عن رئاسة الجامعة، اختير هو رئيسا للجامعة، وفي فترة رئاسته كان يرسل النوابغ من طلابها للدراسة في الخارج على نفقته الخاصة، كما أنفق على الجامعة من ماله حين تعرضت لضائقة مالية بسبب الحرب العالمية الأولى.
لكن الأغرب هو ذلك القرار الذي اتخذه الأمير يوسف كمال بالتخلي عن لقبه الأميري، وكان الأمير أحد أبرز المرشحين لتولي عرش مصر بعد وفاة السلطان حسين كامل، إلا أن قلبه اختار طريقًا آخر؛ تنازل عن لقبه الأميري وفرصة اعتلاء العرش ليصبح مواطنًا عاديًا، مكرسًا حياته للعلم والثقافة والخدمة العامة، وقد أحدث هذا القرار دويا هائلا في ديوان الملك، وتناولته الصحف بشيء من الدهشة على مدى أسابيع طويلة، فقد تنازل سمو الأمير عن لقب الإمارة، واستبدل اليافطة المعلقة على دائرته والمكتوب عليها( دائرة الأمير يوسف كمال) يافطة أخرى باسم (الدائرة اليوسيفية)، وأمر بإجراء نفس التغيير على كافة مكاتباته ومطبوعات دائرته، وكانت تعليماته الصارمة بأن يستبدل لقب الأمير في أي كتاب يوجه إليه بعبارة حضرة يوسف كمال، حتى أنه كتب أسمه في كل الفنادق التي نزل فيها أثناء رحلته الأخيرة (يوسف كمال)، وأمام خانة الصناعة كتب الوظيفة(مزارع مصري)!
كان رجلًا يقدّر قيمة التعليم، ويعشق الفنون الجميلة، ويهتم بالرحلات العلمية، حتى أن مجموعاته الفنية والتحف التي جمعها من جميع أنحاء العالم كانت تهدي للمتاحف الملكية، لتغني الثقافة المصرية وتثري التاريخ الإنساني.
لقد ألهمتني شخصيته في كتابة روايتي (1935)، التي حاولت فيها تتبع مسار مصر من عام 1935 وحتى ثورة يناير 2011، وجعلت من قصره في نجع حمادي أحد الرموز التي تشهد على فترة ثرية في تاريخ مصر، وخلال سنوات بحثي، جمعت معلومات دقيقة عن حياة الأمير، عن قصره، وعن إنجازاته التي شملت دعم الفنون، إنشاء المدارس، تمويل بعثات للطلاب، وحتى دراسات جغرافية ومؤلفات عدة حول رحلاته في أوروبا وإفريقيا، ولم تكن المعلومات متاحة بسهولة، بل كان عليّ الرجوع إلى مصادر فرنسية ووثائق نادرة، لنقل تفاصيل دقيقة داخل أحداث الرواية، فقد نشر أربعة مجلدات عن رحلاته فى جامعة ليدن باللغة الفرنسية.
وبعد نشر الرواية، تلقيت اتصالًا من مسؤول هيئة الآثار في الصعيد، كان قد اطلع على الرواية وأخبرني بأن بها معلومات لم يصلوا إليها من قبل، وأنهم بحاجة إلى وثائقها لاستخدامها في مشروع إعادة ترميم قصر الأمير يوسف كمال في نجع حمادي، تمهيدًا لافتتاحه رسميًا بحضور السيد رئيس الجمهورية بعد ترميمه وإعادة الشيء إلى أصله، وهذه المكالمة كانت دافعا لي لأقدم كل المعلومات ووثائقها ومصادرها إلى مسئول الآثار الذي تواصل معي، وأخبرني أنه في افتتاح القصر سوف يدعوني لهذه المناسبة.
كان كل ما سبق سبب حفزني لضرورة التفكير في زيارة قصر الأمير يوسف كمال، ورؤية القصر بعد ترميمه وتجديده، خاصة أنه بعد نهاية أعمال التجديد لم توجه لي أي دعوة لحضور افتتاح القصر.
ولأنني كنت في أبو تشت، كانت الفرصة مواتية، فأخذت سيارة خاصة من مدينة أبو تشت إلى نجع حمادي، لأرى بعيني المكان الذي ألهم روايتي، ولدى وصولي، لم أتمكن من زيارة القصر من الداخل، فقد كانت الزيارة في المساء بعد انتهاء المواعيد الرسمية، لكن السور الحديدي أتاح لي رؤية معظم القصر وابنيته من الخارج، ومع ذلك كان الألم حاضرًا بقوة في هذا المشهد، فقد اكتشفت أن أجزاء واسعة من حديقة القصر قد استُقطعت لأغراض مختلفة ووجدت أن أغلب مساحات حديقة القصر قد وزعت على هيئات حكومية، وهناك لافتة عالية كتب عليها (مجمع ريفورم – الإصلاح الزراعي) حيث استولى الإصلاح الزراعي على أراضي قصر الأمير يوسف كمال بنجع حمادي بعد ثورة يوليو 1952، وأقام فوقها ما أُطلق عليه “مجمع ريفورم”، يضم فندقًا متواضعًا وكافيهات وقاعات أفراح ومناسبات. و(ريفورم) – كما يُفهم – كلمة تعني باللغة العربية (إصلاح) لكن ما سُمّي بالإصلاح الزراعي عقب ثورة يوليو، لم يكن إصلاحًا بأي معنى، بل كان تخريبًا صريحًا لإرث يوسف كمال، وطمسًا متعمدًا لقيمة تاريخية وثقافية لا تُعوَّض.
وفي عام 2018، تقدم النائب محمد الغول، وكيل لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان بطلب إحاطة إلى الدكتور على عبد العال رئيس البرلمان في ذلك الوقت، حول ما حدث فى مدينة نجع حمادي بقنا من شبهة فساد من قبل الإصلاح الزراعي وإداراته وجمعياته، وفق ما تم نشره في الصحف في ذلك الوقت، وطالب الغول بسرعة إيقاف الأعمال غير المشروعة والمحلات التجارية الجاري إنشائها على أرض مجمع ريفورم والتي تدور حولها شبهة الفساد المالي – على حد ما جاء بطلب الإحاطة –، والعودة إلى ما التزمت به الهيئات سابقة الذكر من أنه لو تم استغلال هذه الأراضي فليكن في إقامة مدرسة خاصة، وهذا الالتزام هو الأكثر ربحية لهيئة الإصلاح الزراعي، وذلك أسوة بما تم تخصيصه لإنشاء مدارس من أرض الاصلاح الزراعي فى الوجه البحري، وطالب وكيل لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان بإحالة هذا الطلب إلى لجنة الزراعة بالبرلمان للتحقيقي في هذا الأمر.
أثناء الزيارة، تفقدت الأجواء حول القصر.. أحيط بالعمارات والبنايات العالية والمحلات التجارية من جميع الجهات، ولم تنجو إلا الوجهة المطلة على النيل، ومن منطقة داخل القصر سمعت صخبا شديدا وصوت معازف، وحين اقتربت اكتشفت أن جزءًا من حديقة القصر استقطع لنادي الزراعيين بنجع حمادي، فأقام به قاعة افراح، وأجزاء أخرى تحولت إلى كافيهات، ومشهد هذه التعديات أوجع القلب، فكيف يمكن أن يتحول إرث رجل كرّس حياته للثقافة والفنون والتعليم إلى مجرد قهاوي أفرنجي وقاعات افراح ومحلات تجارية، وأين كانت الدولة حين حدث كل ذلك؟ بل أين كانت مصر حين يغتال العبث والفساد الإداري أفضل ما لدينا من الإرث الحضاري؟
للأسف، بعد ثورة 1952، بدأت مأساة القصر، حين صودرت أموال أسرة محمد علي، واختفت بعض التحف الثمينة من القصر، وسُجلت مقتنيات القصر في كشوف بخسة القيمة، ليتم بيع بعضها بأسعار رمزية، وتخزين البعض الآخر في بدروم القصر، رغم أن مستوى منسوب المياه كان يعرضها للتلف، وعشرات التحف النادرة والسجاد العجمي والمخطوطات والمجلدات العلمية، وحتى رؤوس الغزلان والتحف القديمة التي جمعها الأمير في رحلاته حول العالم، تاهت أو بيعت، ولم يعرف أحد مكانها الحقيقي حتى اليوم.
القصور الأخرى للأمير، مثل قصره في حلمية الزيتون بالقاهرة وقصره في الإسكندرية، عانت مصائر مشابهة، إلا أن الرئيس مبارك تدخل لإنقاذ قصر الإسكندرية وتحويله إلى متحف بحري، وأمر بالحفاظ على القصر هناك، ويبدو أن الاهتمام بقصر نجع حمادي لم يلقَ نفس الحماية، رغم أهمية المكان وتاريخه العريق.
إن زيارتي لقصر الأمير يوسف كمال، مع الأسى على ما آل إليه من خراب واستغلال سيء للحدائق والمباني، كانت تجربة مليئة بالعاطفة والتأمل، فهي ليست مجرد حجر وطوب، بل إرث حضاري لرجل عظّم التعليم والفنون والثقافة، وتنازل عن عرش مصر ليخدم وطنه بماله ووقته وفكره، وأثناء وقوفي أمام سور القصر الحديدي، شعرت بمدى المسافة بين عظمة الماضي وما آلت إليه الأمور اليوم، وبين الدور الإنساني العميق الذي لعبه الأمير يوسف كمال وما أصبح عليه إرثه.
إن ما حدث لقصر الأمير يوسف كمال في نجع حمادي – رغم تجديد المباني –ليس مجرد مأساة محلية، بل نموذج لما يمكن أن يحدث للتراث الحضاري عندما يُهمل، وللأشخاص الذين كرّسوا حياتهم للخير عندما يُنسون في صفحات التاريخ، وما يربطني بالقصر ليس مجرد كتاب أو رواية، بل شعور عميق بالمسؤولية تجاه إرثٍ يليق بمصر، وأملٌ مات بالقطع، بأن يتحول القصر يومًا إلى مدرسة أثرية حقيقية، تروي قصة الأمير يوسف كمال وتستعيد جزءًا من التاريخ الضائع الذي ألهمني روايتي 1935.
عفوا هذا القصر وما حوله.. لا أعرفه.. وليس هو القصر والتاريخ الذي كتبت عنه.. ولا هي البيئة التي وصفتها في روايتي.. واعتذر للقارئ لأنني كنت أول من فتح ملف الأمير يوسف كمال، ولفت الأنظار إلى تاريخه في روايتي (1935).. ولو كان تاريخ الرجل ومسيرته ظل خافيا، لكان أرحم من أن نعرفه ونعرف قدره، ثم نرى حال ما وصل إليه تراثه العظيم... وليت الزمن توقف عند عام 1935.
















0 تعليق