حظوظ من الدنيا

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فإنه على الرغم مما ورد فى كتابة الله تعالى عن قارون فى قوله تعالى «إنه لذو حظ عظيم»، وعلى الرغم من قوله تعالى «ولا تنس نصيبك من الدنيا»، لكن إذا تدبرنا الآيات التى تليها، سنجد معنى الحظ مختلفًا تمامًا عما يتصوره بعض أصحاب الأفق الضيق، وأهل النظرة أحادية الجانب.

 

فليس كل حظ جميل، وليس كل حظ فيه الخيرية، فظن قوم قارون الذين تمنوا أن يكونوا مثله أنه ذو حظ عظيم، لكن عندما أفتتن بماله وخسف الله به وبداره الأرض ندموا على أمنياتهم.

 

كذلك الآيات التى أتت بعد قوله تعالى «ولا تنس نصيبك من الدنيا»، «وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين»، فالله تعالى أمرنا ألا ننسى نصيبنا من الدنيا، فى المال الحلال، والجاه، والسلطان، والولد، والزوجة، وكل مقومات الحياة، لكن دونما إفراط أو تفريط.

 

فالله أحسن إليك ومنحك كل هذه النعم، فهل ستحسن إلى الآخرين ولا تسىء استعمال هذه النعم وتوظفها توظيفًا يؤدى إلى الإفساد فى الأرض، كأن يعطيك القوة فتستخدمها فى ما حرمه الله وتستخدمها فى البطش بالآخرين المستضعفين؟، لماذا؟!، لأن الله لا يحب المفسدين.

 

ثم لنا أن نتعقل المسألة ونعرضها على عقولنا، أن تدوم عليك النعم والحظوظ الحسنة أم تزول عنك.

تدوم بصيانتها ورعايتها، وتزول بإنفاقها هدرًا فى كل ما هو منكر فتزول عنك.

فكل يعرض المسألة على عقله.

 

ورب سائل يسأل، إننى أجتهد وأذاكر وأنفق جل وقتى فى عملى وأجتهد فيه بكل ما أوتيت من القوة، لكن ليس لى حظ فى منصب أو مكسب أو شهرة.

 

أو تجد آخر يقول ليس لى حظ فى زوج أو ولد وقد كنت طائعًا لوالدى وأخى عاق لهما مثلًا، لكن لديه المال ولديه الزوجة الطيبة والولد الصالح، إنه لذو حظ عظيم وأنا ذا حظ تعيس.؟!

 

ونجابهك بسؤال، ولم لا تقول إنك صاحب حظ عظيم، وعظمه فى شدة الابتلاء والاختبار الذى وضعت فيه، لتحصل لك المكافأة العظمى والجائزة الكبرى، فتبلغ مبلغ الرشد والرشاد، هذه المكافأة هى نعمة الرضا الذى من خلاله تتحقق لك سعادتا الدنيا والآخرة، وتصبح من أهل «رضى الله عنهم ورضوا عنه»

 

فما أدراك أن صاحب المال سعيد، أو صاحب المنصب مبسوط، أو صاحبة الجمال سعيدة، أو حتى صاحب العبادة الحقة فرح بل بالعكس صاحب العبادة دائمًا حزين ومنكسر ودموعه دومًا سيالة على خديه خشية مصيره، وخشية الآخرة.

 

أما إذا أردنا أن نتحدث عن أنواع الحظوظ.

النوع الأول، الحظوظ المادية، وهى التى تعد مقومًا لحيواتنا فبدونها ستكون الحياة صعبة وقاسية، ليس بالضرورة أن يمتلك الإنسان قصورًا وسيارات فارهة وأرصدة فى المصارف، لكن بالقليل المقوم لحياته، الذى يسد رمقه ويقضى حاجاته وحاجات من يعول.

 

النوع الثانى، الحظوظ المعنوية، كراحة البال والهدوء والطمأنينة والاستقرار النفسى والاجتماعى، كالكلمة الطيبة أو الابتسامة الصافية أو التكريم بشهادة تقدير جبرًا للخواطر وإشعار الآخر بوجوده وأنه محط أنظار الآخرين.

 

النوع الثالث، الحظوظ الميتافيزيقية، بمعنى الحظوظ المستترة المخفية التى هى فى علم الغيب، وإذا ما وقعت فى الدنيا تقع فجأة لم يكن الإنسان حاسبًا لها حسابًا، فيفاجأ بوقوعها، وتكون المكافأة العظمى فى الدنيا، وإذا ما حدثت فلا ينبغى السؤال عن كيفية حدوثها ووقوعها، فلا نسأل لماذا، وكيف وأين؟!

 

كأن تكون ماشيًا فى طريق ما وعلى غير موعد مع برنامج مسابقات وتُسأل عدة أسئلة فتجيب عنها فتحصل على جائزة مالية كبيرة وأنت فى أمس الحاجة إلى المال لتجهيز ابنتك أو لسداد فواتير عليك، وهنا لا تملك إلا أن تتذكر قوله تعالى «والله يعلم وأنتم لا تعلمون» «إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون»، أو تفوز بحجة أو عمرة.

 

وهذا الحظ الميتافيزيقى المخفى يصير علنًا فى الوقت الذى يحدده الله سبحانه وتعالى «وما ننزله إلا بقدر معلوم» «إنا كل شىء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر»

 

أما الحظ الميتافيزيقى المخفى عنا فى الدنيا والمؤجل إلى الآخرة فينقسم إلى قسمين، حظ سعيد وحظ تعيس.

أما السعيد فيتمثل فى قوله تعالى «فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين»، ما تقر به الأعين وتهنأ فتسعد.

«وأما الذين سعدوا ففى رحمة الله هم فيها خالدون».

 

أما الحظ التعيس الشقى فصاحبه يدعو ثبورًا ويصلى سعيرًا «فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق»

 

فعلى المرء أن يرضى بما قدره الله عليه وبما ارتضاه الله له، فالله لا يرضى لنا إلا كل الخيرات.

 

أستاذ الفلسفة بآداب العاصمة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق