ودّعت مصر أحد أعمدة القضاء المصرى، أمس، هو المستشار محمد ناجى شحاتة، الذى ارتبط اسمه بالصلابة والصرامة فى أحكامه، وترؤسه دوائر الإرهاب خلال أصعب الفترات التى مرت بها البلاد. لم يكن «شحاتة» مجرد قاضٍ يُسجل اسمه فى سجلات المحاكم، بل كان سدًا منيعًا تصدت به المؤسسة القضائية لموجات العنف التى هددت استقرار الوطن.
وفى حواره الصحفى الأخير مع «الدستور»، كشف المستشار الراحل عن كواليس تلك الأيام العصيبة، مؤكدًا أن إرادة القانون انتصرت فى النهاية، وأن ثورة ٣٠ يونيو شكّلت نقطة تحول فارقة أنقذت مصر من «العام الأسود» للجماعة، مع استعراض تفاصيل عديدة عن مسيرته وحياته القضائية، وهو الحوار الذى نرصد أبرز ما جاء فيه خلال السطور التالية.
وقبل أن يصبح الرجل الذى واجه أعتى تنظيمات الإرهاب، كان المستشار محمد ناجى شحاتة قاضيًا تربى فى مدرسة القضاء الجنائى، المدرسة التى علّمته أن السياسة ليست ملعبًا للقاضى، وأن القانون هو الحكم الفصل بين الناس.
فى حديثه عن بداياته ونظرته لثورة ٢٥ يناير، سرد المستشار الراحل رؤيته للمشهد بوضوح قائلًا: «العمل فى القضاء علّمنا أن القاضى لا شأن له بالسياسة، ومما لا شك فيه أن الاضطرابات فى أى بلد والخروج على النظام أمر مذموم».
لم ينظر «شحاتة» إلى الأحداث من منظور حزبى، بل من منظور مواطن مصرى تألم لما حل ببلده، وعبّر عن مشاعره تلك قائلًا: «شهدنا التخريب، وهذه جريمة ارتكبتها العناصر التى أرادت هدم كيان المجتمع.. تضررت من خروج الناس دون سبب، وتعطيل مصالح الدولة بأكملها، وعدم توافر السلع الأساسية».
لكن الأقدار كانت تخبئ له دورًا أكبر من مجرد المراقب؛ فمع تصاعد وتيرة العنف واستهداف رجال الشرطة والدولة، استُدعى المستشار ناجى شحاتة، رئيس محكمة الجنايات، إلى محكمة استئناف القاهرة، ليكون فى قلب المعركة.
وفى أعقاب ثورة يناير وما تلاها من فترة حكم جماعة الإخوان، وجد القضاء المصرى نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، وسط أجواء خانقة عاشها القضاة آنذاك.
وكشف المستشار الراحل محمد ناجى شحاتة، فى حواره، عن تفاصيل تلك المرحلة، قائلًا: «استدعيت إلى محكمة استئناف القاهرة للفصل فى قضايا الإرهاب، ووقتها اعتذر عدد كبير من القضاة لأسباب مختلفة، منها الخوف من سرعة الأحداث، لأن القاضى الذى يعتذر لم يكن يضمن تأمين نفسه داخل المحكمة، ولا تأثير العامة عليه وعلى أسرته فى الشارع».
هنا برزت شخصية «شحاتة» القيادية، إذ رفض الاعتذار وواجه الخوف، مقدّمًا إجابة خلّدها التاريخ، قائلًا: «قبلت لأن مهمتى كقاضٍ ووظيفتى أن أتعامل مع ما يُعرض علىّ من أعمال؛ طالما ذلك فى إطار الصالح العام للمجتمع».
وكانت قناعته الراسخة أن قضايا الإرهاب لا تختلف عن غيرها من القضايا الجنائية التى تمس أمن الدولة، وأن خبرته الطويلة فى العمل الجنائى تؤهله للفصل فيها مهما بلغت الضغوط.
ولم يُخفِ المستشار محمد ناجى شحاتة حجم الألم الذى أصاب القضاء والقضاة خلال عام حكم جماعة الإخوان، واصفًا تلك الفترة بأنها مؤلمة للغاية، خاصة مع قرار عزل النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود، الذى اعتبره الراحل ليس مجرد إجراء إدارى، بل كان تهديدًا مباشرًا من السلطة التنفيذية للسلطة القضائية، ورسالة خطيرة بأن أحد أركان الدولة مهدد بالانهيار.
وشبّه «شحاتة» وضع القضاء، آنذاك، بما حدث فى الحرب العالمية الثانية قائلًا: «تذكرت حين قُصفت العاصمة البريطانية لندن، فسأل البعض: هل تعرضت المحكمة البريطانية للضرر؟ فلما قيل لا، قالوا: إذن إنجلترا بخير، لأن الركن القضائى من أهم أركان الدولة».
ولم يسكت المستشار شحاتة عن هذا التجاوز، فكان من القلائل الذين شاركوا فى الجمعيات العمومية الطارئة لرفض عزل النائب العام، معلنًا عن تأييده الكامل لاستقلال القضاء.
هذا الموقف الشجاع جعله هدفًا مباشرًا للجماعة، حيث كشف عن تفاصيل مروعة قائلًا: «تم وضع اسمى على قائمة الاغتيالات أثناء عمومية القضاة؛ لرفض قرار الرئيس المعزول محمد مرسى بعزل النائب العام».
وتعتبر قضية مقتل ضباط شرطة كرداسة، التى عُرفت إعلاميًا بـ«مذبحة كرداسة»، من أخطر القضايا التى نظرها المستشار شحاتة، وهى القضية التى شهدت فظاعات تقشعر لها الأبدان، بلغ عدد متهميها ١٥٨ متهمًا.
روى المستشار الراحل تفاصيل مرعبة عن الجلسات، قائلًا: «شاهدنا فيها فظائع وأهوالًا وقتلًا للضباط ورمى جثثهم، وعملنا بحكم القانون.. وكانت الفظائع فى هذه القضية يعجز اللسان عن وصفها».
وفى موقف يدل على برود أعصابه وتماسكه أمام البشاعة، سرد المستشار مشهدًا مرعبًا قائلًا: «أتذكر أن المتهمة سامية شنن لم تلق مية النار على اللواء عامر عبدالمقصود، ولكنها تبولت فى فم المجنى عليه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، كما قام أحد أعوانها بقطع يد ضحية لاستخراج الساعة من يده».
لم يكن عمله سهلًا، بل كان يعمل فى بيئة ضعيفة التأمين، قائلًا: «كنا ننظر القضية فى مجمع محاكم طرة، وننتهى يوميًا من نظر القضية فى الساعة ١٢ مساء، ولم يكن لدينا تأمين قوى حينها».
وأكد أن هذه الجرائم لم تكن عشوائية، بل كان مخططًا لها، حيث استخدمت العناصر الإرهابية أسلحة «آر بى جى» لإسقاط سور القسم.
ومن أصعب المحطات التى واجهها المستشار محمد ناجى شحاتة كانت قضية اتهام الضباط بقتل المتظاهرين فى أحداث ٢٥ يناير، حيث مثُل ٣٨ ضابطًا من قسمى شرطة كرداسة وإمبابة داخل قفص الاتهام، ووصف تلك اللحظة بأنها «تجربة صعبة للغاية حينما يجمع القفص بين الضابط والمتهم معًا».
وبعد أن قضت المحكمة ببراءة الضباط استنادًا إلى ضمير القاضى، وما ثبت من وقائع سبق إصرار وترصد، تعرضت القاعة لعملية شغب منظمة.
يقول المستشار الراحل: «حينها واجهنا أعمال شغب داخل القاعة عقب الحكم، وتم تكسير القاعة وتحطيمها من قبل أهالى كرداسة وإمبابة، وكانت المرة الأولى التى نطلب فيها دعم الشرطة العسكرية لتمكيننا من الخروج، وخرجنا يومها فى مدرعات».
وفتح المستشار شحاتة ملفات عدة كانت مجهولة لدى الرأى العام، ففى قضية غرفة عمليات رابعة، أوضح أن هذه القضية كانت بمثابة إدارة لـ«الحرب ضد الدولة»، حيث ضمّت كبار قادة الجماعة، من بينهم المرشد العام محمد بديع، ومحمد البلتاجى، وصفوت حجازى.
وروى كيف سعى الدفاع إلى تعطيل سير الجلسات قائلًا: «كان المحامى الخاص بهم يستنزف وقت المحكمة بتقديم العديد من المذكرات، وهذه القضية استغرقت وقتًا طويلًا بسبب كثرة الطلبات التى كان يجب الرد عليها».
كما تناول قضية الماريوت، التى وصفها بأنها «عملية تجسس عالية التقنية» أدارتها قناة الجزيرة الإنجليزية، مؤكدًا أن المحكمة أثبتت بالدليل القاطع أن القناة سخّرت إعلامها لخدمة ودعم الجماعة الإرهابية.
وتطرق، أيضًا، إلى أحداث أوسيم، كاشفًا عن التهديد الذى تعرض له شخصيًا، حيث أشارت معلومات الأمن إلى نية استهدافه بقذائف «آر بى جى» قبل دخوله القاعة، نظرًا لخطورة المتهمين البالغ عددهم ١٢٨، وما ارتكبوه من جرائم وحشية شملت حرق الكنائس وقتل القضاة.
- قرار اجل من القضاء بشأن محاكمة المتهمين في قضية السباح يوسف محمد
- من الأعلى أجراً؟.. محمد إمام يحسم الجدل
- بالدموع والقبلات.. وزير العدل يواسي أسر القضاة ضحايا حادث تصادم المنيا
- عازفو احتفالية افتتاح المتحف المصرى الكبير: شرف وفخر ليوم تاريخى
- رفض طعون 3 مرشحين من قرار استبعادهم من انتخابات النواب بالقليوبية






