عاجل
زياد عبد التواب لـ«اليوم السابع»: الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يضعف قدراتك الذهنيةالسعودية تعلن اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة في المنطقة الشرقيةموعد أقرب إجازة رسمية في مصر.. متى يحصل الطلاب والموظفون على العطلة المقبلة؟فحص سرطان الثدي ضروري.. 5 حقائق حتى لو مفيش تاريخ عائليخطوات حماية هاتفك من الاختراق بمجرد فتح صورةمحسن صبري يشارك في فيلم الساعة 12 بطولة طارق لطفيأطلق عليها البحارة النوبيون "سومالوت".. مركز سمالوط يعنى المياه الضحلة.. صوردراسة تحذر من التشخيص الخاطئ لاضطراب فرط الحركة والتوحد
الإضافة إلى المصادر المفضلة

أحمد موسى وكتاب (أسرار): صحافة تحت تهديد الرصاص

منذ 8 شهر

 لا أخاف حين أكتب عمّا أتصور أنه الحقيقة، حتى لو كنت وحدي المؤمن بها، وحتى لو اصطفّ الجميع في الضفة الأخرى، يحملون آراءً لا تقوم على تقصّي الحقيقة بقدر ما تقوم على العاطفة، أو الأيديولوجيا، أو التسرّع، ففي اللحظات التي يمرّ فيها الوطن من عنق الزجاجة، لا يعود إخفاء الحقيقة حيادًا، ولا يصبح تشويش الوعي اختلافًا مشروعًا، بل يتحول إلى كسرٍ متعمّد لعنق الزجاجة بينما يمر الوطن ذاته في أزمته من خلالها.

وليس من السهل أن يُكتب عن الصحافة حين تتحول من مهنة نقل وتحليل إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ولا من اليسير أن يُنصف القلم حين يُطالَب بأن يكون محايدًا في اللحظة التي تُستهدف فيها الدولة ذاتها، وتُختبر فيها فكرة الوطن ومعنى البقاء، ومن هنا تكتسب تجربة الكاتب الصحفي والإعلامي الأستاذ أحمد موسى، كما ظهرت في كتابه «أسرار» وما كُشف عنه في الحوار التلفزيوني الأخير، أهمية تتجاوز شخصه، لتطرح سؤالًا أعمق عن ثمن الحقيقة، وحدود الاختلاف، والمسافة الشائكة بين المهنية والخطر.

لم أقرأ بعد كتاب «أسرار»، وأقول ذلك بوضوح كامل، لكنني شاهدت الحوار التليفزيوني اللافت الذي ظهر فيه الأستاذ أحمد موسى هذه المرة لا كمقدّم لبرنامجه «على مسئوليتي»، بل كضيف على شاشة قناة صدى البلد وعلى برنامجه، يحاوره لأول مرة ضيف القناة الإعلامي والكاتب الصحفي الكبير الدكتور محمد الباز، رئيس مجلسي الإدارة والتحرير بجريدة الدستور، في حوار هام ومصيري، والذي امتد لنحو تسعين دقيقة، اتسم بالعمق والهدوء وكشف الكثير من الخلفيات، وشارك في جانب منه الإعلامي الأستاذ نشأت الديهي. وقد أتاح هذا اللقاء، بما تضمنه من سرد وتوضيح ومداخلات، قدرًا كبيرًا من الفهم لمحتوى الكتاب وأفكاره الرئيسية، قبل الوصول إلى قراءته قراءة مباشرة ومتأنية.

كتاب «أسرار» – كما بدا من مضمونه العام – لا يُقدَّم بوصفه سردًا انطباعيًا أو مرافعة سياسية، بل محاولة توثيقية وبملفات استقصائية ووثائق حصرية لمرحلة فارقة من تاريخ مصر الحديث، مرحلة عام 2011 وما تلاها وما سبقها أيضا، حيث تداخلت السياسة بالأمن، واختلطت الشعارات بالتمويل، وتوارى كثير من الفاعلين خلف لافتات الثورة بينما كانت خيوط أخرى تُنسج في العتمة، واللافت في هذه التجربة أن الكاتب لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يعلن بوضوح اعتماده على مصادر رسمية موثوقة، واضعًا نفسه – عن وعي – في قلب معركة يعرف سلفًا أن ثمنها قد لا يكون معنويًا فقط.

وتوقف الأستاذ أحمد موسى في كتابه «أسرار» عند ملفات شديدة الحساسية، تتعلق بمحاكمات الإرهاب وتنظيم الجماعة المحظورة ونشاط الجماعات الإرهابية وشبكاتها وخطوط تمويلها، كاشفًا عن تفاصيل ظلّت لسنوات بعيدة عن الوعي العام أو محاطة بالتشويه والالتباس، كما أفرد مساحة للحديث عن الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، مقدّمًا معلومات ووثائق تُسهم في إنصاف الرجل تاريخيًا، وتعيد قراءة كثير من الوقائع بعيدًا عن الأحكام المتسرعة أو السرديات الانفعالية التي سادت في أعقاب عام 2011، في محاولة لفهم أكثر عدلًا واتزانًا لما جرى، ولما غُيّب عمدًا أو سُوِّق على غير حقيقته.

وحين يحكي صحفي كالأستاذ أحمد موسى عن تلقيه تحذيرًا مباشرًا من وزير الداخلية بعدم مغادرة منزله لوجود مخطط لاغتياله، فنحن لا نكون أمام مشهد إعلامي عابر، بل أمام لحظة كاشفة لطبيعة الصراع ذاته، وهنا لا يعود الخلاف حول رأي أو موقف أو زاوية معالجة، بل حول وجود شخص قرر أن يقول ما لديه، وأن يتحمل تبعات قوله.

أما الأكثر إيلامًا في هذه الشهادة ليس التهديد في ذاته، بل الاعتراف الإنساني الصريح: التفكير في الأبناء، في الأسرة حين تصبح جزءا من معركة الحقيقة، والبيت الذي يتحول فجأة من مساحة أمان إلى نقطة مراقبة وانتظار، تلك اللحظة تحديدًا تُسقط أي خطاب إنشائي عن البطولة، وتضعنا أمام إنسان يدفع من حياته الخاصة ثمن اختياره العام.

ولعل ما ذكره الأستاذ أحمد موسى عن أن مفتي الديار المصرية السابق الأستاذ الدكتور شوقي علام، كان ينظر في قضايا إعدام تضم متهمين بمحاولات اغتياله، يفتح نافذة شديدة القسوة على واقع قلّما يُناقش بعمق، أن الكلمة في لحظات الفوضى المنظمة تصبح أخطر من السلاح، وأن الصحفي قد يتحول – دون أن يحمل بندقية – إلى هدف مباشر، وهذه الحقيقة ليست جديدة على التاريخ المصري الحديث، بل لها سجل طويل من الدم والتهديد والصمت القسري.

فمصر عرفت، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، نماذج لصحفيين وكتاب دفعوا حياتهم أو كادوا بسبب أقلامهم، واغتيال الكاتب الكبير فرج فودة عام 1992 لم يكن اغتيال شخص، بل محاولة لإسكات فكرة، وتجريم العقل النقدي، وإرسال رسالة مفادها أن الخروج عن “المسموح” ثمنه الرصاص، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ عام 1994، وهو رمز أدبي عالمي، جاءت لتؤكد أن التطرف لا يفرّق بين فيلسوف وروائي وصحفي، وأن العنف حين يتسلح بوهم امتلاك الحقيقة لا يعترف بقيمة الإبداع ولا بتاريخ صاحبه.

وقبل ذلك وبعده، تعرّض صحفيون وكتاب لملاحقات وتهديدات ومحاولات اغتيال متفاوتة، بعضُها موثق وبعضُها طُوي في الظل، أسماء مثل مكرم محمد أحمد، ومحمد حسنين هيكل، وغيرهما، عاشت فترات طويلة تحت ضغط التهديد غير المعلن، وإن اختلفت السياقات والفاعلون.

ويمكن القول إن الاغتيال، بوصفه أداة لإسكات القلم وترويع الفكرة، لم يدخل المجال العام المصري صدفة، بل بدأ يكشّر عن أنيابه بوضوح منذ اغتيال الكاتب والأديب يوسف السباعي، تلك اللحظة التي مثّلت كسرًا فادحًا لحرمة الكلمة، وتدشينًا لمرحلة صار فيها الكاتب والصحفي هدفًا مشروعًا لكل من يرى في الوعي خطرًا، وفي الفكر عدوًا، وفي الاختلاف جريمة تستحق الرصاص.

فقد تعرض الأديب المصري الكبير يوسف السباعي، على أثر تأييده لمبادرة الرئيس السادات وعقد سلام مع إسرائيل، لمحاولة اغتيال توفى على إثرها في قبرص في 18 فبراير عام 1978 أثناء حضوره مؤتمر آسيوي أفريقي بأحد الفنادق، وهو الذي لم يكن أديبًا عاديًا، بل كان مبدعًا من طراز خاص وسياسيًا على درجة عالية من الوطنية والحنكة والذكاء.

 ومنذ تلك اللحظة، لم تعد محاولات اغتيال أصحاب الأقلام أحداثًا معزولة، بل إشارات متكررة إلى صراع طويل بين من يكتبون ليكشفوا، ومن يقتلون ليُخفوا الحقيقة، والفارق أن كثيرًا من هذه الوقائع لم يكن يُروى للرأي العام بهذه الصراحة، إما حفاظًا على الأمن أو تجنبًا للتصعيد، لكن النتيجة واحدة، أن الصحافة في مصر، حين تلامس مناطق النار، تدفع ثمنًا حقيقيًا.

من هنا يصبح الجدل الدائم حول اتهام جماعات الفكر والإرهاب للأستاذ أحمد موسى بالانحياز للدولة بحاجة إلى الرد والتصحيح في هدوء وعدالة، فالدفاع عن الدولة، حين تكون مستهدفة في وجودها ومؤسساتها، لا يعني بالضرورة تخلّيًا عن المهنية أو تزييفًا للواقع، قد يخطئ الصحفي في التقدير، وقد يبالغ في الحدة، وقد يختار زاوية دون أخرى، لكن تحويل كل دفاع عن الدولة إلى تهمة جاهزة، وكل سرد لوقائع أمنية إلى “دعاية”، هو في حد ذاته تبسيط مخل، وربما تواطؤ غير مباشر مع خطاب الفوضى.

الدولة ليست حزبًا، ولا نظامًا عابرًا، بل كيان جامع، وحين تُستهدف مؤسساتها وجيشها وقضاؤها، يصبح السؤال الحقيقي: هل الصمت فضيلة؟ أم أن كشف ما يُحاك في الخفاء واجب، حتى لو كلّف صاحبه كثيرًا؟ في هذا الإطار يمكن قراءة تجربة الأستاذ أحمد موسى، لا بوصفها نموذجًا يُستنسخ، بل حالة تُفهم في سياقها: سياق حرب معلومات، وحرب شائعات، وحرب بقاء.

ولا يمكن إنكار أن برنامج «على مسئوليتي» شكّل، عبر سنوات، منصة مؤثرة، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع محتواها، استضافة شخصيات محورية من دوائر صناعة واتخاذ القرار، ومفكرين لهم ثقلهم المشهود، وفتح ملفات مسكوت عنها، وتحمل تبعات ذلك أمام الرأي العام، كلّها عناصر تجعل من التجربة محل نقاش جاد، لا اختزال ساخر أو هجوم نمطي، فالصحافة، في جوهرها، ليست مهنة إرضاء، بل مهنة مساءلة، وأحيانًا مهنة صدام.

من هنا تأتي أهمية كتب مثل كتاب «أسرار»، نحن في حاجة إلى هذا النوع من التوثيق، لا باعتباره رواية رسمية نهائية، بل بوصفه شهادة من داخل الحدث، تُضاف إلى شهادات أخرى، وتفتح الباب للنقاش والفهم، لا للشيطنة أو التقديس. فالأمم التي تخاف من أرشفة لحظاتها الصعبة، تظل أسيرة تكرارها، أما التي تواجه تاريخها، بكل ما فيه من أخطاء وتهديدات ودماء، فهي الأقدر على التعلم والبقاء.

في النهاية، ليس المطلوب أن نتفق جميعًا مع كل كاتب أو صحفي يحمل رسالة القلم، ولا أن نمنحه صك صواب دائم، بل أن نعترف بأن هناك صحفيين يكتبون وهم يدركون أن الكلمة قد تضع أسماءهم على قوائم الاغتيال، هذا الاعتراف وحده كفيل بأن يرفع مستوى النقاش، وأن يذكّرنا بأن الصحافة، حين تكون حقيقية، لا تُمارَس من خلف الزجاج الآمن، بل أحيانًا من خلف الأبواب المغلقة، وتحت تهديد الرصاص.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق تحرير اعرف سبورت خبرة في الصحافة الإلكترونية وإعداد وتحرير التقارير الاقتصادية، وفي صياغة المحتوى وفق معايير تحسين محركات البحث (SEO) يتابع الحدث لحظة وقوعه ويتابع كافة أخبار مصر والعالم العربي علي مدار 24 ساعة بدقة وإحترافية

تابعوا آخر الأخبار العربية والعالمية، وآخر المستجدات السياسية والاقتصادية والرياضية أولًا بأول عبر جوجل نيوز

أخبار ذات صلة