تقلبات ترامب المزاجية أكثر حدة من تقلبات الطقس عقب أزمات المناخ، كلتاهما لا يمكن التنبؤ بهما. قبل أيام هدد ترامب إيران بالتدخل عسكريًا إذا تمادى النظام مع المتظاهرين، وردت إيران بأنها ستضرب القواعد الأمريكية فى المنطقة، قال ترامب إنه إذا ألحقت إيران ضررًا بالقواعد الأمريكية «فستُضرب بطريقة لم يسبق لها مثيل. لدىّ أقوى الخيارات المتاحة؛ ولن يصدقوا قوتنا، نتابع ما يحدث فى إيران بمنتهى الجدية، وندرس عدة خيارات قوية للغاية. أتلقى تحديثات عن الوضع فى إيران كل ساعة. وفى النهاية، سنتخذ القرار المناسب».
ثم فجأة صرح ترامب من على سلالم الطائرة الرئاسية بأن إيران تواصلت مع الولايات المتحدة لطلب العودة إلى المفاوضات بشأن اتفاق نووى جديد، قائلًا: «أعتقد أنهم سئموا من تعرضهم للضرب من قبل الولايات المتحدة. إيران تريد التفاوض، نحن بصدد تنسيق اجتماع»، هذا ما قاله ترامب للصحفيين، فى الوقت الذى تستمر فيه الاحتجاجات واسعة النطاق فى إيران للأسبوع الثالث على التوالى.
عقب تصريحات ترامب، صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائى، بأن خطوط الاتصال بين طهران وواشنطن لا تزال مفتوحة، وذلك من خلال مبعوث أمريكى خاص أو وسطاء تقليديين مثل سويسرا، وقال بقائى إنه تم إرسال «رسائل متناقضة» تسببت فى الغموض، وأن إيران لا تزال ملتزمة بالدبلوماسية.
حسب ما تردد فى الكواليس، فإن دبلوماسيين إيرانيين، مثل وزير الخارجية عباس عراقجى، يبذلون جهودًا حثيثة للتواصل مع إدارة ترامب، ساعين إلى إرساء مسار دبلوماسى مع الولايات المتحدة يحمى طهران من المزيد من الضغوط، ويمكن لعملية مفاوضات مطولة أن تدعم العملة الإيرانية وتحمى النظام من الضربات العسكرية حتى فى غياب اتفاق، لكن هذا سيتطلب تنازلات من طهران.. ترامب لن يقبل أن يمنح لهم اتفاقًا مجانيًا.. من المتوقع أن يطلب ترامب من إيران وقف تخصيب اليورانيوم وفرض قيود على قدراتها الصاروخية، ومن المستبعد أن تقبل طهران بهذا حتى رغم الاحتجاجات!
تاريخيًا، لم تُخفف الاحتجاجات فى إيران من حدة مواقفها، فالإيرانيون معرفون بعنادهم الشديد.
فى عام ٢٠٠٩، عام الحركة الخضراء التى اندلعت احتجاجًا على إعادة انتخاب محمود أحمدى نجاد رئيسًا، رفضت إيران عرضًا دبلوماسيًا يتعلق بمفاعل طهران للأبحاث.
وفى عام ٢٠٢٢، رفضت إيران عروضًا أمريكية لإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة فى خضم حركة «المرأة، الحياة، الحرية». ومن المرجح أن يتكرر هذا النمط، إذ سيحرص المرشد الأعلى، على خامنئى، على عدم الاستجابة للمطالب الدولية خشية الظهور بمظهر الضعيف.
لكن لا يزال هناك احتمال معقول بأن تؤدى الاضطرابات والضغوط الداخلية إلى تسريع المفاوضات مع الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق يشمل البرنامج النووى والصواريخ، ومنع الأنشطة الإيرانية الإقليمية.
هذا هو السيناريو الذى تريده كل من إسرائيل والولايات المتحدة: اتفاق يبعد الخطر الإيرانى أعوامًا طويلة، ومنه تهديد إسرائيل ويحد من نشاط إيران، عبر وكلائها.. لكن الأمر يتوقف على «العناد الإيرانى».




