لم تكن الفنانة الرائدة، إنجي أفلاطون، مجرد فنانة تشكيلية من الرعيل الأول للنساء اللائي خضن حقل الفن التشيكيلي فحسب، بل انخرطت في حركة التحرير بشكل عام، سواء تحرير المرأة، أو تحرير الوطن من خلال نشاطها الملحوظ في جماعة “الفن والحرية”، فضلا عن عملها الاجتماعي ومناداتها بحقوق النصف في المائة ممن كان يشكلون قوام المجتمع المصري حتي خمسينيات القرن العشرين.
إنجي أفلاطون تمثل مصر بمؤتمر الطلبة العالمي
في العام 1946 سافرت إنجي أفلاطون إلي العاصمة التشيكوسلوفاكية براغ ــ قبل أن تنفصل تشيكوسلوفاكيا إلي دولتي التشيك والسولفاك، لتشارك في المؤتمر النسائي العالمي الأول، لتصدر في العام اللاحق 1947 ــ كتابها الذي قدم له د. طه حسين بعنوان “80 مليون امرأة معنا”.

ويشيد عميد الأدب العربي بجهد “أفلاطون” في كتابها وأفكاره الداعية لتحرير المرأة وحقوقها المساوية للرجل، يقول طه حسين في مقدمته للكتاب: "لو لم يكن في هذه الرسالة إلا أنها تصور تنبه المرأة المصرية إلى أن لها حقوقًا يجب أن ترد إليها وكرامة يجب أن تحفظ عليها، لكانت خليقة أن تقرأها راضين عنها مغتبطين بها راجين أن يكون لها ما بعدها من شيوع الإيمان بحقوق المرأة المصرية وكرامتها بين النساء المصريات جميعًا وبين الرجال المصريين جميعًا أيضًا.
وقد سبق الرجال إلى الجد في تحرير المرأة المصرية، فدعوا إلى هذا التحرير ما دعوا وجاهدوا واحتملوا في جهادهم كثيرًا مما يكرهون، ولكن المرأة المصرية لم تكد تظفر ببعض حقها اليسير حتى ضاق كثير من الرجال بما أتيح لها من حرية ضئيلة متواضعة، وأشفقوا أن تكون لهذه الحرية عواقب لا يحمدها المصريون، وإذا هم يتنكرون لهذه الحرية شيئًا فشيئًا حتى يدفع فريق منهم إلى مقاومتها ومحاولة التضييق عليها".
اتهامات الخروج عن الإسلام تلاحق إنجي أفلاطون
ما أن يصدر كتاب إنجي أفلاطون “80 مليون امرأة معنا”، إلا وتشن عليها النسوية “منيرة ثابت” حملة هجومية علي صفحات الجرائد والصحف، وصلت لاتهام “أفلاطون” بالخروج علي الإسلام، بل واتهام الدكتور طه حسين بأنه كتب مقدمة الكتاب دون أن يطلع عليه.
ففي المقال الذي نشرته منيرة ثابت بمجلة آخر ساعة عام 1947، تشير إلي أن بريدها حمل إليها مؤلفا نسويا قدم له د. طه حسين: “ولعله كتبها دون أن يطلع علي محتويات الكتاب، وفي وقت كان فيه اسم ”إنجي أفلاطون" لا يثير الشبهات. وإنجي أفلاطون هي صاحبة هذا المؤلف النسوي الخطير، فبادرت بإلقاء نظرة سريعة علي هذا المؤلف، وقد فزعت من هول الآراء التي احتواها.
وتمضي “ثابت” في مقالها الهجومي التحريضي علي إنجي أفلاطون: “ومما زاد في ألمي أن صاحبته تذيعه في الناس تحت ستار تحرير المرأة والمطالبة بحقوقها، ومن خلف هذا الستار البرئ تدعو النساء إلي الثورة علي مبادئ الدين الإسلامي فيما يختص بعلاقة الزوجة بزوجها وكيان الأسرة”.
وتختتم “ثابت” ما يشبه البلاغ التحريضي المطالب بسجن أفلاطون ومصادرة الكتاب: “فقد رأيت أن أكتب إليكم هذه الكلمة للفت نظر السلطات ـ عن طريق النشر والتعليق ـ إلي خطورة تداول مثل هذا المؤلف الشيوعي في أوساط الطالبات والتلميذات الناشئات، ومن ثم فإن الآراء التي يحتويها تشوه سمعة حركة تحرير المرأة وتسيئ إلي قضية المطالبة بحقوقها التي أعتز بها”.
عالم أزهري يدافع عن إنجي أفلاطون
وفي العدد التالي للمجلة، دافع عالم أزهري عن "أفلاطون" والمفاجأة أن العالم الأزهري كان المفكر الكبير خالد محمد خالد.
يفند “خالد” اتهامات منيرة ثابت بخروج إنجي أفلاطون عن مبادئ الدين الإسلامي: "طالعت ما كتبته أخيرا السيدة منيرة ثابت عن كتاب 800 مليون امرأة معنا، وتعتبر آراء الآنسة إنجي أفلاطون ثورة على الدين الإسلامي. وإذ كنت عالما مسلما وأعرف مدى تقديس ديننا لحرية التفكير والتعبير، ومن الذين قرأوا هذا الكتاب الصغير في الساعات الأولي لظهوره فلم أجد فيه أية ثورة على الإسلام.
ويضيف “خالد”: "قالت السيدة منيرة: انه هالها ما رأته في هذا الكتاب من ثورة على الدين الإسلامي، وأحب أن أبشرها بأنها أول من ثارت على الدين الإسلامي - إن كان ما يريده النساء اليوم من حقوق يعتبر ثورة. فممارسة المرأة لحقوقها السياسية على الصورة التي تدعو إليها السيدة من زمن بعيد لن نجد لها نصا واحدا من نصوص الدين الصريحة يقرها وبرضاها وإنما هناك فقط اجتهاد وتخريج لهذه النصوص يولد منها اتجاهات فقهية حديثة ترتكز على بعض مصادر تشريعية كالأقيسة. والمصالح المرسلة.وإذا جاز لآراء السيدة منيرة أن تلتقى بالدين عن هذا الطريق ـ كان ذلك جائزا أيضا لآراء غيرها مثل إنجي أفلاطون.

ويخلص محمد خالد مشددا علي: “عزائي وقد قرأت نشرة الآنسة إنجي، أقر أنه إذا كان فيها موطن لمؤاخذة فهو مطالبتها للمرأة بحق الطلاق حين تقول ”أبيح للرجل بغير ضابط ولم يبح للمرأة" فما ذلك ممن يقوله بثورة على الإسلام الذي أعطى المرأة حق الطلاق من زوجها ولكن عن طريق الحاكم - وهو النظام الذي يحاول الآن تطبيقه على الرجال. وهناك شي واحد تناقش فيه إنجي ليس من صنعها، بل هو قرار للمؤتمر النسائى ذلك هو مساواة المرأة بالرجل في الميراث. وأكاد أعتقد أنها لو أعادت النظر في هذا القرار على ضوء اعتبارات اقتصادية واجتماعية عامة - لا مجال لذكرها في هذه العجالة - لصففت لوجهة النظر الإسلامية رضا وإعجابا.






